ليست كل مشاعرك.. حقائق

خلق الله في الإنسان المشاعر رحمةً به، فهي التي تجعله يفرح، ويحزن، ويخاف، ويشتاق، ويتأثر بما يمر به. لكنها لم تُخلق لتكون الميزان الذي يحكم به على كل شيء. لأن الشعور يتغير، ويضعف، ويقوى، ويتأثر بالتعب، والهم، والظروف، وما يمر به الإنسان من أحداث. أما الحقيقة، فلا تتغير بتغير ما نشعر به. قد يشعر الإنسان أن الطريق الذي يسير فيه لن يوصله إلى شيء، مع أنه لا يزال في بدايته. وقد يشعر أن الله لن يجيب دعاءه، لأن قلبه فقد لذة العبادة أيامًا، مع أن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم، ويعلم ما في صدورهم. وقد يشعر أن مستقبله قد ضاع، أو أنه لن يتغير أبدًا، أو أن همومه لن تنتهي، بينما هذه كلها مشاعر، وليست أدلة على الحقيقة.
والمشكلة لا تبدأ حين يشعر الإنسان، فهذا أمر فطري، وإنما تبدأ حين يجعل شعوره هو الذي يفسر له الحياة. فيبني قراراته على الخوف، ويترك السعي لأنه يشعر أن لا فائدة، ويضعف دعاؤه لأنه يشعر أنه لن يجاب، ويقنط من إصلاح نفسه لأنه يشعر أنها لن تتغير. ومع مرور الأيام، يتحول الشعور العابر إلى قناعة راسخة، لا لأنه كان حقًا، ولكن لأنه صدقه منذ البداية.
ولا تُهزم هذه المشاعر بمجرد أن يقول الإنسان لنفسه: لا تخف، أو لا تحزن، أو لا تقلق. فالقلب لا يتغير بمجرد أن يأمر الإنسان نفسه، وإنما يتغير بما يغذي به إيمانه، ويملأ به قلبه من معرفة الله. وكلما ازدادت معرفة العبد بربه، بدأت هذه المشاعر تأخذ حجمها الحقيقي. فيهدأ الخوف حين يعلم أن الله خير حافظًا، ويضعف اليأس حين يعلم أن الله على كل شيء قدير، ويزول القنوط حين يعلم سعة رحمته، ويخف القلق حين يعلم أن الله أرحم به من نفسه، وأن ما يقدره عليه لا يخرج عن علمه وحكمته ولطفه.
فإذا عظمت معرفة الله في قلبه، لم تختفي المشاعر كلها، لكنها لم تعد تقوده كما كانت من قبل. فلا تجعل ما تشعر به يحكم على الحقيقة، واجعل ما تعرفه عن الله هو الذي يوجه مشاعرك. فإن النفس تتقلب، والمشاعر تتبدل، أما من عرف ربه حق المعرفة، فإنه يجد في هذه المعرفة نورًا يهذب مشاعره، ويثبت قلبه، ويعينه على أن يمضي في طريقه مطمئنًا، وإن اضطربت نفسه في بعض الطريق.
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟




