النعيم العاجل

في كل نزول مقال وصدوره، تأتيني رسائل من القراء، وتكاد تكون الأكثر منها مبشرة ويطيب لها القلب والخاطر، وهي: رأيت استجابة بعض الدعوات، وما زلت أنتظر نزول الفرج، والآخر يقول: لقد استجاب الله دعائي، ورأيت تساهيل في بعض الأمور، وما زلت أنتظر المزيد من الله سبحانه.

ولا تخلو رسالة، حتى لو كان مضمونها سؤالًا يحير أبواب العقل، إلا وأجد هذه العبارات تُكتب، وأن هذا من النعيم العاجل والمعجل من الله جل وعلا، فهو أرحم من العبد بنفسه، وأن دعاءك وإلحاحك سلاحًا لا يسقط في الميدان، وكيف لو كانت حياتك كالمعركة، وأن وعيت هذا في بداية شبابك وعمرك لوجدت حياتك تبدلت وتغيرت، وفي هذا المقال سأرد على خواطرك التي قد تزورك بين الحين والآخر، ولعل ما يُكتب هنا يكون زادك في رحلتك، فتأمل معي هذا – رعاك الله -:

الدعاء له قوة وأمرًا يُرفع للسماء، لا يوقفه حاسد ولا ناقم، وحتى لو تكالب عليك شياطين الإنس والجن، فلا تخفف دعاءك ولا تحصره على بعض المواضيع التي قد تظن أنها هي التي فقط تهمك، إنما اجعله وافيًا كافيًا لكل أمور حياتك، واعلم أن استجابة الدعوات تنزل في شدتك، وتنزل قبل الفرج بسنواتٍ عدة، ولعلك تتفكر ممن فرج الله عليهم وأثابهم بالفرج والتمكين، كيف ثبتوا وتصبروا، وثباتهم الأكيد من الله؛ لأن الله أرحم وألطف على عبده، فهو ينزل عليهم بعض استجابات الدعوات فتكون تثبيتًا لهم وليريهم قدرته وعظمته، وإن قلت في نفسك: لكن لم أرَ الاستجابات تنزل حتى الآن؟ تفكر في حالك وتأمل، ومد عينيك إلى شريط حياتك الفائت وسنواتك الماضية، كم معركة حِيكت من خلفك والله حماك منها ولم تعلم عنها شيئًا؟ كم صلاة ليل صليتها ومددت قدامك وأنت تخطو وسريرتك لله وحده، وتتذكر بعض الأدعية وتقول في نفسك: عسى الله أن لا أنساها. من ذكّرك، ومن رفع همتك للعبادة، ومن شرفك في هذه العبادة وهذا الفضل؟

هناك فتوحات ونعيم معجل ينزل بك في اليوم وأنت في عز ابتلائك وشدتك! نعم، وعندما يقع عليك الفرج ويُكتب لك عام الأفراح والمسرات، حتمًا ستلتفت وستجد أن هناك فتوحات وتياسير واستجابات دعوات نزلت بك في أيام ظلمتك، قد يكون شخصًا صالحًا أو صديقًا تكن له المحبة والرفقة، وما كان الله ليدعك وحيدًا في شدتك، وقد يكون أناس معك في العمل، لكنك تستشعر أنهم كانوا كأنهم مسخرين لك في شدتك، وتفكر أكثر، تجد أن الله هيأ لك جنودًا من الأرض والسماء، وليس ذلك على الله بكثير، وهذا كله ليس له من الأمر أنك ترضى بالشدة، كلا، هذا دليل لك أن الفرج قادم لا محالة، وأن العوض سيجبر قلبك، وإن كنت تريد الدليل فانظر إلى التغيرات التي حدثت في حياتك عندما لجأت إلى الله وتوكلت عليه ورفعت دعاءك.

ولا عيب ولا حرج لو مرت بك ليالٍ شديدة شعرت أنك فقدت فيها نفسك، وهذا لا يمنع نزول استجابات الدعوات والتياسير في عز محنتك، لكن هذه اللحظات والتأمل أن الله معك، وأن الله هيأ لك أمورًا كثيرة قبل الفرج، يستوجب عليك أن تشد على طلبك، وأن تلح على الله بالفرج، وأن لا تيأس.

وقد يختلف بعض الناس هنا، فالبعض علم أن الدعاء أصله الاستجابة، وعلم أن بعض الأدعية تكون معجلة وتنزل، وبعضها قد تكون مقرونة باختبار الصبر وحسن الظن بالله، وتجدهم يقولون في أنفسهم: اصبري يا نفس، لعل ما تأخر إلا ليكبر الله لي حظي ويجعل المثوبة كبيرة. وتجدهم لو نزلت بعض الأدعية استبشروا وفرحوا ويكثرون ولا ينقصون من الدعاء شيئًا.

أما البعض الآخر، فتجدهم يحصرون أنفسهم في دعاء واحد فقط، وهذا قد يضيع عليهم الكثير من الفتوحات والأرزاق والهبات والعطايا، أنت تدعو الله، إذن أكثر، واجعل الدعاء في كل الأمور التي تحوف يومك، وكل الأمور التي تريدها في حياتك، وكل الرجاء اجعله لله وحده.

تفكر في صحتك وعافيتك وبركة في شبابك وعمرك، تفكر في زواجك ومن يكون شريك حياتك، وأن يجعل بينكم رحمة وحنانًا، تفكر في المسكن والبيت الجميل والواسع الذي يجمعك مع ذريتك، ولا ذلك على الله بكثير، وتفكر في تجارتك أو عملك، وادعُ الله بالترقية والرفعة والمال الذي يصب عليك صبًا، تفكر في الناس وبمن حولك، أن يقرب لك الصالحين ويكتب لك القبول في الأرض، وأن يقذف محبتهم لك في قلوبهم عندما يرونك، وتفكر أن يصرف عنك الشر والشرور والمصائب والمحن والابتلاءات والأشرار والعدو الضار. اجعل دعاءك طويلًا، فلا تعلم أيًّا من الدعاء سيقع قبل الفرج، وكم من دعاء سيكون لك مثل اللحاف من أمراض هالكة، وكم من دعاء سيكون حصنًا لك منيعًا في الآخرة، وكم من دعاء سيرفعك في الآخرة منازل عدة، وستتعجب وستندهش وتقول: لم أعمل بدنياي، فعلامَ هذه الرفعة؟ ولا تعلم، قد يكون دعاء واحد تمنيته في دنياك، لكن كُتب لك ثوابه في الآخرة، أنت لا تعلم! لكن الله يعلم، لذلك أكثر من الطلب ولا تزهد، والله مالك الكون كله، وهو الكريم اللطيف.

وعند التفكر أن المؤمن عند لحظات وسكرات الموت لا يموت حتى يحسن الظن بالله، أن الله تقبله من الصالحين والتائبين، ومن أن يجعل حسن الظن بالله حتى آخر لحظات بحياته، ألا يجب علينا هذا التفكر حتى ونحن نرفع الدعاء إلى الله، أن نحسن الظن بالله بالاستجابة والقبول، وأن الله لا يرد عبده ولا يخيب رجاءه؟

وعندما تنظر إلى حياتك وتقول: تعقدت واشتدت والتفت، تفكر، لعل الله كان يرسلك إلى طريق الفرج ولم تعلم بذلك، وكانت قدماك وخطواتك إلى النجاح والفلاح بالدنيا والآخرة وأنت لم تعِ ذلك، وإذا زادت عليك الخواطر، تذكر أن الكافر والملحد والمشرك إذا وحّد الله بالدعاء قبل الله دعاءه، فكيف بك وأنت المؤمن الصابر؟

هذه الليلة استشعر بكم معركة دارت من خلفك وأنت لا تعلم، وكم من شخص كاد أن يقرب منك في وسط شدتك، لكن شعرت أن الناس كأنهم استوحشوا منك، ولا تعلم بشرًا بصدورهم أو نفوسًا سوداء داخل أبدانهم، وردهم الله عنك وصرفهم وأنت في ظلمتك وتقول: يا رب. وتشعر في وحدتك، ولا تعلم كيف الله كأنه سبحانه وضع فوقك سحابة من الحفظ والرحمة، ولا تعلم بذلك.

الله رحيم بك، ورحمته وسعت العالمين، وحتى التأمل في أن الله لم يتركك منذ دعائك الأول الذي رفعته له، فهذا يقشعر منه الابدان والقلوب، وحتى لو زادت عليك بعض الليالي وضاقت عليك روحك، فلا تلم نفسك ولا تعاتبها ولا تشقيها، فأنت وهي في ظلمة، فما عليك إلا أن ترفع يديك إلى الله بالدعاء، وتبث إلى الله رغباتك وأمنياتك وبكاءك، ولا تدع أيًّا من أمور الدنيا والآخرة إلا وتدعو بها، فلا تعلم أيًّا منها ما هو معجل.

أخيرًا، نظرًا لكثرة الأسئلة حول الحلول عندما تأتي نوبات من خواطر الشيطان في بعض الليالي، فسأكتب عنها مقالًا وافيًا، وعسى الله أن ينفع به، وكتبت مقالًا سابقًا عندما تأتيتك نوبة شديدة من الحزن أو الضيقة، وقد يكون يحمل بعض الأجوبة التي تبحث عنها: أين تفر عند شدة الأقدار.

وأيضًا مقال: لا تغير دعاءك

وستكون مقالاتنا القادمة الجديدة عن التعلق بالناس والأقدار، وقد يكون منها بعض الأجوبة التي ترد على بعض الخواطر، وأسأل الله أن يبارك لي في الوقت، وأعتذر عن الإطالة في المرة الماضية، وأسأل الله لكم سعادة ترضيكم، ورضوانًا من الله وقبولًا.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

1 تعليق
الأقدم
الأحدث

جزاك الله خير
سردك جميل تبارك الرحمن و الله يعطيك مبتغاك الي يكون خير وحلال مبارك ويغنيك بفضله عمن سواه

وابي اضيف نقطه بسيطه
صدق الانسان دايم ينغمس ب الدنيا ورزقه و حياته المستقبلية وينسى اشياء كثيره منها الدين و ربه وينسى ان ربي امرنا بالسعي النتيجة على الله ان كان خير تحقق و ان كان لا يحمد الله ويصبر لانه خير و لان ربي مايختار الا الخير و المناسب لعباده

وتعقيباً على نقطه ان الانسان ينغمس ب الدنيا ولا يعطي الاشياء حقها وبعض الاحيان الانسان ما يرجع الا من ابتلاء
والابتلاء يكون فيه الفقد و الحزن و الخوف و الهم و التعب النفسي او الجسدي او حتى ب المال و تغير الحال
وقد لما يصبر الانسان يشتد عليه البلاء لا ياتي بنفسه ان الله تركني و ان الدنيا تقفلت في وجهي ولا انا حالي سيء و لا احد يحس فيني ولا يقول ليت ما صار هذا الشيء ربي ما ابتلاك الا لحكمه و الحكمه مايعلمها الا هو ما عليك الا ان تصبر و تعلم ان فيه احد معك و لا راح يترك ابدا وهو الباقي و الدنيا كلها بفلوسها بعلاقاتها بمناصبهم و ظلمهم كلهم راح يختفون ويبقى الله وحده جل جلاله

واعتذر على الاطاله
وان اصبت فمن الله و ان اخطأت فمن الشيطان
واسال الله ان ينفعنا وينفعكم و يثبتنا وياكم على دينه ويعينا على طاعته

زر الذهاب إلى الأعلى