علاج كثرة الخواطر:لا تدع النوافذ مفتوحة

عندما تستيقظ الصباح وتشعر بضيق في صدرك وتعلم أنك ستكون في نهاية اليوم في أمرٍ لن يسرك من سوء مزاج ورغبة في الانعزال عمن حولك، وعندما يسألك صديق عن حالك أو يطلب منك الخروج للنزهة وتصدّ عنه بحجة أن نفسك ليست وسيعة، وعندما تجتاحك نوبة من الحزن والشدة لأسابيع دون انشراح ولا أيام فرح، فاعلم أن خلف هذا كله إنما هي خواطرك وما يجوب عقلك دون أن تشعر، وإن قلت: لكني لا أدّعي، وأعلم أن لدي أسبابي وأرى حالي ولست في إنكار. نعم، لكنك لا تعلم خطورة الخواطر في الانتظام.
وفي هذا المقال تحديدًا سيكون لنا حديث عن إقفال نوافذ عقلك حتى لا يتجرأ الشيطان ويسترق منك مخاوفك، ولأن الخواطر منها ما هو طفيف وتنتهي في حزن عارم وصدرٍ محكم، ومنها ما هو شديد على النفس حتى تصل إلى وساوس ومخاوف، وما إلى ذلك من درجات، وتأمل معي هذه النقاط -رعاك الله-:
اعلم أنه عندما تمر بك شهور أو سنوات عديدة في شدة ومشقة، فجهازك العصبي اعتاد على تلقي بعض الأمور منك ومن محيطك الخارجي، فتراه يسمع ما لم يُرِد سماعه من أناس ومواقف غير سوية، ومنها ما يسمعه منك عندما تقفل أبوابك وتنعزل في دارك، فاعتاد على وضعية مرهقة ومتعبة، فتجده يقلب لك أحداثًا حدثت في النهار، أو أمورًا لم تُحسم باستمرار، وعندما تصبح وحدك وتكثر خواطرك تفتح نوافذ عقلك، وتجد الشيطان بعيدًا عنك، لكن ما إن تفتح تلك النوافذ حتى تجده يطرب ويسعد بما يسمعه منك، حتى عرف منك مخاوفك وما تكره وتبغض، وعلم منك ما هي المواقف التي تذيبك وتنهك صدرك، فيدخل دون أن تشعر حتى يزيد عليك في أمور أكثر. نعم، بعض الأمور لا تُطاق، وبعض الناس في نفاق، لكن جعل هذه الأحاديث تجري في عقلك في نطاقٍ من الإرهاق يجعل عقلك في سباق، يزيد في التحليل، ويبالغ في التفاصيل، والأكيد أنه سينتهي في إخفاق.
إذن، إذا علمت الداء وعلمت الدواء، فإنك [ستصبح واعيًا بصيرًا بنفسك]، ولا تهمل هذا الجانب في حياتك مهما حييت، فإن البعض يشترون راحة البال ويدفعون ثمنها لبعض الأطباء حتى يكشفوا لهم: لماذا تزيد عليّ النوبات؟ لماذا يزداد الحزن دون نقصان؟ لماذا لا أحب الحياة وغيري يمضي في راحة دون اكتراث؟
وهذا الأمر لا يحتاج منك جهدًا لدراسة أسباب نفسك، كلا، إنما هي أمور فقط إذا وعيتها كسبت راحة البال، والتصدي للنوبات، وطرد الشيطان بسوطٍ عدة مرات.
أولًا:
اعلم أنه عندما يحدث لك موقف حديث أو موقف قديم، لكنه ما زال يجوب في عقلك باستمرار، فاعلم جيدًا أن هذا من ظلّ الشيطان. ماذا يعني؟ يعني عندما يحدث خلاف في عملك أو مع أحد من عائلتك، فإن الشيطان سيركض حولك في هذا اليوم بالتحديد، ولذلك لو انتبهت إلى هذه التفاصيل الصغيرة جدًا جدًا، ستعلم جيدًا أنه إذا دخل، فإن نوبات الحزن والغضب والكدر ستجوب في عقلك أيامًا، ولربما أسابيع. فإذا استطعت التصدي لهذه الهجمات من الساعات الأولى، فتضمن لنفسك راحة البال وعدم الاكتراث للأحداث في الأيام المقبلة، فهو إن أقبل عليك أفسد عليك المزاج وطار منك الابتهاج.
وقد تهوّن من هذا الأمر وتقول: لا يستحق مني الانتباه كل ما حدث لي من أمر. لكن سأذكّرك بأمر شديد الأهمية: عندما ترى الناس حولك يصعدون في سُلّم الأعمال ويزدادون في التعلّم، وتقول: كيف لهم هذا المزاج؟ وعندما ترى بعض من حولك في زيادة في العبادات والانتظام في بعض العادات من قراءة القرآن وحفظه، وتقول: كيف لهم أنفس واسعة وراحة بال، وكأن ليس لهم هموم مثلما أحملها باستمرار؟ وعندما تذهب إلى مكان أو جمعة أهل وأصدقاء، ترى بعضًا منهم يبان عليه الرزانة والمتانة في الأخلاق وحب الحياة دون وجه من الاعتراض أو الامتعاض، والأكيد أنك ستكرر على نفسك بعض هذه الخواطر: لعلهم لم يصبهم بعض مما أصابني من سوء الأحوال وكثرة الهموم والأحزان. وهنا أوضاع في الحياة تستحق منك التأمل وحتى التوقف وتغيير ما يجوب في عقلك باستمرار، فإن زيادة هذه الخواطر قد تثقل على صدرك وقلبك معًا، فيصبح الصعود على سُلّم التعلّم والتعبّد وتربية النفس على الهدوء صعبًا للغاية.
وحتى هنا أنت في وضعٍ لا تُلام عليه، فمشاعرك لها أسبابها وعواملها، ومررت في شبابك بشدة، وتعاملت مع أناس ليسوا أسوياء من دائرتك القريبة أو البعيدة، وتثاقل صدرك بكثرة المجريات، ولا تهوّن من شأن نفسك وتشعر أنك جلبت لنفسك هذه الخواطر، كلا، المعنى من هذا المقال كله: عندما يصيبك مرض، فإنك ستلجأ إلى العلاج، وتعلم في المستقبل ماذا يهيّجه، وما يجب الابتعاد عنه، وما يريحه ويجعل هذا العضو في حالة التئام. لذلك خواطرك حقيقة وأسبابها معلومة، لكن تفكّر وانتبه، فالشيطان يهيّج تلك الأحداث القديمة أو يقلب لك الأوراق ويكشف لك ما خفي عليك من أناس. إذن، لا تنكر الموقف الذي أصابك في الماضي، أو حدث لك مؤخرًا، لكن تقليبه باستمرار سيزداد حتى يسرق منك سنوات من شبابك وعمرك دون حسبان.
إذن، في هذه النقطة بالذات، علمت أنه عند حدوث أمر طارئ أو موقف سيئ، سيُقبل عليك الشيطان لا محالة، وعندما تتذكر موقفًا قديمًا لم ترضك نهايته، فاعلم أن الشيطان يطرق النوافذ باستمرار، وإن علمت ذلك ستعلم جيدًا كيف تتصدى له، وهذا أيضًا يعلمك في المستقبل: فإن حدث عراك أو خصام أو سوء قول سمعته من أحد (ولا نهوّن الفعل ولا الفاعل)، لكنك لا بد أن تعلم أن الشيطان سيكون لك زائرًا في تلك الليلة دون موعد ولا دخولٍ من عند الباب، فتأهّب لهذا، وسنذكر في النقطة الثالثة من هذا المقال كيف سيكون العُدّة والعتاد لطرد الشيطان.
ثانيًا:
وبعضٌ مما أتلقاه من رسائل القراء عن خواطر تكون وساوس تنتهي بأمور لا يرغبون في سماعها وينكرونها أشد النكران، ويتعجبون من أين تأتي تلك الخواطر وهم لا يؤمنون بها، والبعض الآخر يسألون عن وساوس النظافة والوضوء وما إلى ذلك من شدة تلازمها لهم باستمرار.
فاعلم أولًا قبل كل شيء أن الشيطان احتار معك وضاع، واختلف في حالك، وتقلبت عليه الأمور، ولم يعلم كيف يدخل عليك إلا من أبواب العبادة أو أمور عقيدية، فهذا دليل على إيمانك وحرصك، وليس كما تظن من خلل أو تقصير، كلا، فهذا من شدة الإيمان ورغبتك الصادقة مع الله، فهو أسهل له أن يدخل عليك في تفريق أو بغض وكراهية لمن حولك، لكنه وجد فيك الثبات.
لذلك عندما تجوب هذه الخواطر، دعها، لا تقابلها بخوف، لا تراجع عقيدتك باستمرار، لا تكرر الوضوء، لا تبالغ في جعلها مشكلة كبيرة، اعلم أن الشيطان هو من يحرك تلك المخاوف بخيوطٍ باستمرار، فإذا علمت من خلفها، فدعها حتى يمل. وهنا كثير من الناس لا يعلمون أن [الشيطان يمل]، فإذا كرر معك المخاوف ثم رأى منك عدم الاكتراث ولا الاهتمام، تجد النوبات خفيفة حتى تمضي الأيام والشهور وتجدها قد اختفت. نعم، حتى لو قلت: لكني لدي هذه المخاوف منذ سنوات، نعم، لأنك تعتقد أنك تحمل أسبابها وأنت من جلبها لنفسك، كلا، الشيطان استرق منك مخاوفك وعلم منك ما تكره وما يقلقك، لذلك هو فنان في رسم تلك النوبات، لكن إذا علمت أنه يمل، وأن ملله هذا هو أول الحلول والعلاج، فعليك أن تشد على نفسك في الدعاء، وألا تهتم ولا تحزن إذا تكررت عليك تلك المخاوف. تذكر هذه القاعدة: [الشيطان يمل من المحاولات، ويتوقف عندما يصيبه الملل].
ثالثًا:
وفي هذه النقطة بالذات سنذكر لك الأسباب التي تقوي نفسك، ولا أقول إنها علاج؛ لأن العلاج يتوقف عند الشفاء، إنما هذه الأمور تكون معك في الحل والترحال، وهي من أسباب تقوية العقل والنفس معًا، وتكسبك الذكاء، وتعلمك مداخل الشيطان، وتزيد من ثباتك النفسي أمام الناس غير الأسوياء، وتكسبك حلية من الأخلاق ودرعًا حاميًا من الشيطان. وإن كان هذا كله لا يساوي الأجور والحسنات والرفعة في الآخرة، فإن هذا لا يكفي الميزان، ومن رحمة الله جل وعلا أنه جعل بعض العبادات مرتبطة بثواب في الآخرة، وهو معلوم، وأيضًا مكاسب عدة تراها في الدنيا وتقر بها عيناك:
[وهي: ورد يومي من القرآن]، وهذا أمر لا ترتب يومك إلا به، والبعض يظن أن الورد يكون طويلًا وبه كثرة من الأجزاء، كلا، لو جعلت وردًا صفحة واحدة من القرآن كل يوم، لكان خيرًا وبركة كبيرة في دنياك. وهنا بعض الناس يخلّون بالميزان، وهو أن يجعلوا وردهم من القرآن أسبوعيًا أو كلما وجدوا فراغًا في الأسبوع، كلا، ملازمة القرآن هي من أكبر الدروع والتحصينات من شرور الناس والشياطين، ولا تسأل عن بركة القرآن في يومك، إنما لازمه وسترى الفتوح بين عينيك. ولو ذكرنا الفتوح الربانية التي تنزل عليك باستمرار من ملازمة القرآن، فإنه لا مقال ولا كتاب يفي بها، لكن تأمل معي جيدًا: في عملك أو دراستك، أو إذا ذهبت إلى مكان خارج المنزل، والأكيد أنك تحمل بعض الذنوب وما يحمله اللسان من سوء قول بسبب كثرة الملهيات، وعندما يكون لك ورد من القرآن، فإن الحسنات تزيد، ويُمحى لك ما اقترفه لسانك ويداك في ذلك اليوم، وتكثر لك الأجور، ويصبح الشيطان بعيدًا عنك وحقيرًا خلف الجدران، فتجد بعد وردك راحة وانشراحًا، ولا تعلم أن هناك آثارًا من الذنوب زادت ومحوتها أنت بقراءة القرآن. فالإنسان يبقى إنسانًا، ولا يدّعي أنه سيمضي يومه دون تقصير أو ذنوب، فإذا علمت أن التقصير في ازدياد، وعلمت أن وردك من القرآن سينقصه، فحتمًا ستعلم أن العاقبة لك ورضا الرحمن.
وهنا ذكرت فائدة واحدة، وأسأل الله أن يغفر لي، وإن فوائد القرآن لا تعد ولا تحصى، فكيف لو تفكرت أنه يبعد الشيطان عنك ويزيد لك الأجور والحسنات؟
والناس يحتارون دائمًا في وقت ورد القرآن، واعلم أنه كلما وضعته في التوقيت نفسه من اليوم، وجدت راحة في عدم التخطيط كل مرة لوقت قراءته، فإن هذه الأوقات أسهل للتذكر: بين صلاتَي المغرب والعشاء، فالوقت قصير بينهما، ويمكنك بعد صلاة المغرب مباشرة أن تجعل وردك ثابتًا فيها. وأيضًا، بعد الفجر مباشرة تستطيع أن تجعل لك وردًا فيها، ولا تسألني عن الفتوح والتسهيلات والكرم الإلهي لو لازمتها في بداية يومك. وأيضًا، لو وضعتها قبل النوم، فإن الليل به من اشتعال العقل وسكون الجسد، وسبحان الله، إذا زاد سكون الجسد اشتعل العقل بعدها، فإن فهمت هذه المعادلة علمت أن القرآن هو العلاج.
وأيضًا، باب من أبواب طرد الخواطر وتكبيل الشيطان هو الذكر بكل أنواعه من الاستغفار والتسبيح، وأكثرها طردًا لخواطر الشيطان هو التهليل، فإن الشيطان يضعف ويُهان عندما تبدأ في التهليل وقول: لا إله إلا الله، والرسول ﷺ أوصانا في دعاء الكرب أن يقول العبد:
(لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم).
وإنني لا تخلو رسائل القراء من أن أذكر لهم هذا الذكر لطرد الخواطر والأحزان، وحفظه وتكراره عندما تجتاحهم النوبات وتضيق صدورهم من كثرة المجريات. وأيضًا، لا تنتظر حتى يحدث أمر يكدر خاطرك أو يذيب قلبك، إنما اجعل الذكر بكل أنواعه من بداية يومك حتى تلتحف بلحافك وأنت تذكره، ولا ينفك لسانك عن الذكر. فعندما تفعل هذا باستمرار، فإنك بهذا تتوكل على الله، وتقر بمحبتك لله وإخلاصك له، ولا تتكبر على ذنبك ولا على معصيتك، بل لا يهدأ لك يوم حتى تستغفر عما بدر منك، وتخشى أن يكون الله لا يرضى عن بعض أحوالك.
فملازمة الذكر كأنك تلجأ إلى حمى الله، وكأنك تلجأ إلى الحماية والرعاية والحفظ، وكيف لو كانت إلهية ومن السماء؟ فإن العاقبة ستسرك في الدنيا قبل الآخرة، وستقر عيناك.
وتذكر: ما أصابك في الماضي لا تُلام عليه، ولا تعاتب نفسك: لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحال؟ أو تكرر عليك بعض الخواطر: إنني لم أخطط لهذا في حياتي، فكيف انتهى بي الحال إلى هذا؟
كلا، جذور خواطرك حقيقية، ولا تُلام عليها بتاتًا، لكن لا تسقها أنت بكثرة التقليب، ولا تشارك الشيطان وتدعه يسقيها من بحر الأحزان. ما أصابك في الماضي أو ما قد أغلق عليك أبواب الحاضر هو من الله، وقدرٌ قدّره الله جل وعلا لحكمته، فاذهب وفرّ إلى الله، واطلب من الله تغيير الحال وتقلب الأمور، فلا تعجزه مسألة ولا طلب، ولا تقل إن ذلك من المحال، كلا، فالله قادر أن يرزقك كل ما تتمناه في سنة واحدة فقط! نعم، لا تتعجب، قد تكون سنوات عجاف قابلتها في حياتك، وأمور جلبت لك كؤوسًا من الأحزان، لكن تفكّر، وزد إيمانك، وشدّد على طلبك، فالله قادر أن يفتح عليك الفتوح الربانية من كل اتجاه في سنة واحدة فقط، من المال والزواج والرفقة والمحبة والبيت والمسكن وراحة البال والكثير من أمور الدنيا بالحلال. نعم، كلها قد يرزقك الله إياها في سنة واحدة فقط، وأنت الذي تحملتها منذ سنين عديدة، وأمورًا تشك في أنها من المحال أن تنفرج أو تتغير. كلا، الله قادر وقاهر، لكن التجئ إلى حماه، وأخلص لله.
ولا يهمك الماضي، لو كنت مقصرًا أو مذنبًا، فلا تعلم أن الله يفرح بتوبتك أكثر من فرحتك بها. نعم، هو الله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته العالمين، ألا يفرح بتوبتك؟ برجوعك وإقرارك بذنبك؟ وإن أحببت الله، ألا يحبك؟ بلى، فإن أقبلت على الله، فلا تسألني عن الأرزاق ولا الهبات والعطايا التي ستراها في الدنيا والآخرة.
وإن قلت: ماذا عليّ الآن؟ أقول: دع الماضي، وتقبّل القدر الذي أصابك، أو حتى الخواطر التي هي من كتاب الأحزان، وتقبّلها على أنها كفارة وطهارة لك من الذنوب والمعاصي، وتقبّلها على أنها لعلها ستكون لك مفاتيح للتمكين في الدنيا، وسترى عجائب من الأرزاق والرفعة. وتقبّلها على أنها ستكون لك رفعة في الآخرة ومنازل في الجنة لن تبلغها إلا بهذا الماضي الذي أصابك منه كثرة الهموم والأحزان. ألا يرضيك بعد هذا كله؟
أسأل الله أن يجعل صدوركم روضة من رياض الجنة، ويجعل ألسنتكم لا تنفك عن ذكر الرحمن.



