مراحل الفرج | 4

دنت غايتك وتهيأت سعادتك، ولاح نصرك ورفعت رايتك، وسقطت سيوف خصومك وتقزّم أعداؤك. ومعاركك التي خضتها مع جنودك لن ترجع إليها، بل رفعها الله عنك، واستجاب الله دعاءك ورجاءك.
هناك وجوه اختفت دون رجعة، ولا تسمع إلا صوتًا هادئًا يفيض بالرحمة. [ كنت فارس الشدة، وعنوان القصة ]. وكان الله قد هيأ لك هذا التمكين وهذه السلطة، ودبّر لك أمورًا خفية وستكون الآن ظاهرة. وأشرق عليك فجر التمكين حينما شاء الله جل جلاله، وتعظّم سلطانه، وتقدست أسماؤه.

وفي هذا المقال الأخير من سلسلة مراحل الفرج، أودك أن أدعك تعلم بأمور ستقبل عليك في أيام التمكين، عطايا ونعم وكرمًا من الله سبحانه. كما كنت في أيام الابتلاء والشدة متأدبًا مع الله وتنتظر بلهفة، سيثيبك الله بالعوض والجبر، وتلك الاثنان حالان مختلفان جميلان، لا تعلم من هو أجمل، فتأمل معي هذا -رعاك الله-:

بعد كل ما مررت به بالسابق ستجد نفسك بعد الفرج كأنها قد تبدلت. نعم، ما زلت تملك ذاك العقل الفطن، وذاك القلب الطيب، لكن النفس ليست تلك النفس التي كانت منهكة.
الآن معك الأعوان والإخوان: البصيرة، الإدراك، الوعي، وأن لزموا معك الرفقة بالحياة، ستتغير وتتبدل نظرتك بكل ما حولك.
لم يعد هناك أعداءٌ عمالقة، بل تقزّموا، وعلمت أن الله فوق كل متجبرٍ ومتكبرٍ. وليس لأنك أصبحت أقوى منهم، إنما الله سبحانه أثابك [ بالتمكين والرفعة ]، ورفع من قدرك وعظّم من شأنك حتى ترى نفسك بعد تلك النعم أنها كبيرة، لم يعد هناك ما تخاف منه، فالحياة أصبحت بالنسبة لك كالمعادلة الرياضية، تعلم أنت جوابها قبل أرقامها. وهذه ليست مبالغة، لأنك علمت أن الغاية من الحياة واضحة ولا تحتاج إلى كثرة السؤال ولا التفكر بالجواب، ما دام هناك أيدٍ ترفع إلى الله بالدعاء، فأنت إن صح التعبير لن تخاف مما هو مقبل عليك، [ وضوح الغاية يكمن: بالسكينة ورضا النفس عن الأحوال والتلذذ بالنعم والأنعام ].

غايتك حسمتها أنت أنها ستكون للرحمن، علمت أن كل صغيرة في هذا الكون وكل كبيرة بيد الله جل وعلا، وعلمت أن الأرزاق بالسماء لا يتحكم بها ظالم من البشر ولا حتى يحجبها بأقفال. بصيرتك بالناس لم تكن مثل السابق، بالشدة كشف لك ستار القلوب، علمت من يحبك من لحن صوته، وعلمت اللئيم من نظرة عينه. بالشدة كنت تلوم نفسك تارة على حدسك وتظن أنك بالغت بالفراسة، لكن بعد الفرج، الوجوه مكشوفة والقلوب معروفة.

ولن تقول: يا ليت لو لم أمر بتلك الشدة، لا والله، ستقول: والله لم أعلم أن الكنوز والثمن أدركته وبلغته بعد تلك الشدة. فلا تظن أن هناك أمرًا صغيرًا كان في غاية الدقة، أو أمرًا كبيرًا وجللًا في أيام الظلمة، أنك لن تجد له عوضًا، إنما كنوزًا تمسكها بيديك وترى كيف تكون عطايا قد تسميها بالجبر. وقد تحدثنا في المقال الأول من سلسلة مراحل الفرج أن هناك أمورًا صغيرة وتفاصيل قد لا تنتبه لها في أيام الشدة وتقول: ولماذا؟ وما الحكمة منها؟ لكن ستعلم أن الله هيأ لك تلك التفاصيل التي تراها ليست إلا أمورًا تشقيك وتغيبك عن الحياة، وما كانت إلا واضحة حكمتها بعد الفرج، وكأنها أشبه بالمفاتيح لك لأبواب التوفيق والسعادة، تحتار منها وتختار أي الأبواب تفتح.

ولابد تعلم أن حياتك بعد الفرج: لن تندم على أي لحظة مرت بالسابق، ولن تتمنى إعادة شريط حياتك وتبديل بعض المشاهد أو حتى إنهاء بعض المواقف. كلا. فالله سبحانه من رحمته بك ولطفه الكريم عليك سيجعل تلك الذكريات هي ركائزك وما تثبت عليه، ستشير عليها يومًا ما في حياتك وتقول: تلك الشدائد علمتني وهذبتني وأعطتني خيرًا من الدنيا ونعيمها، وأسأل الله أن نرى هباتها في الآخرة.

الحال بعد الفرج مختلف، والامتنان يصل إلى أقصى مشاعره، كنت تعتقد أن دعاءك وصوتك قد يكونان محجوبين في بعض الليالي، وقد تلوم نفسك أكثر على بعض ذنوبك، لكن الله ما تركك منذ (دعائك الأول)، وانتبه لهذا جيدًا، فالله جل وعلا منذ الليلة الأولى التي رفعتها إليه، هيأ لك (أسبابًا) لتكفر عن ذنوبك السابقة، وهيأ لك (أعمالًا) لترفع منازلك في الدنيا والآخرة، وهيأ لك (عبادات) لتبلغ الفرج والتمكين. هذا تدبير الله جل وعلا، نعم، مررت في مواقف قد تشعر أنها ليس لها معنى، إلا أنها كانت قد أذابت قلبك وذاب أقفاله معه، لكن الله سبحانه جعل بعض المواقف تهذيبًا وتعليمًا، وزادك بالعلم، وليس لأجل عقابك كما تظن، بل لأن الفرج والتمكين به من العطايا والأرزاق العالية والغالية لن ينالها إلا أهل الأدب والراجعين إلى الله والمحسنين الظن به.

حياتك بعد الفرج لن تملها، بل دهشة من أول نظرة، قد يفتح عليك من الأرزاق والمال والفتوح الربانية، وقد يهيأ لك من الأحبة والخلة والذرية الطيبة.
أنت تعلم أنها من الله، وعلمك هذا سيجعل غايتك بالحياة رضا الله عنك، وتجتهد بأعمالك، وتعلم أن هناك مشروعًا لا بد أن تعمل له وتبادر عليه منذ أن يشرق عليك فجر التمكين، وهو (مشروع الآخرة).
وهذا لن يكون مؤجلًا ولا متغيرًا، ستجد نفسك بعد ما زادت بصيرتك وأدركت الحياة وكيف هي متغيرة، وزاد وعيك، علمت بعدها أن الآخرة حياة سرمدية لا تنتهي، ونعيمًا بالجنة لن ينضب. وقد تكون من الذين رأوا آية من آيات الله في الدنيا وكيف تقلب حالهم وتبدلت أحوالهم وزادت أرزاقهم، وهذا الحال كفيل لك أن تعمل إلى آخرتك، ولا أقول لك: افعل ذلك، كلا، إنما أصف لك مشاعر ما ستشعر به بعد الفرج، سيكون الامتنان والشكر، لن يكفي دعاؤك، ولا الذكر بلسانك بلغ حمده، لكنك ستشعر أكثر أنك شديد الحياء أمام الله، وهذا كفيل لك في أنك تستعد لمشروع الآخرة. كيف؟
سترى كل أمر تخوضه بالحياة من زواج أو تجارة أو وظيفة أو علاقاتك مع الأهل والناس، أو كل المهام التي تسعى إليها في حياتك، أو ما سيمكّنك الله بها بعد الفرج، سترى لكل عمل بابًا، وهذا الباب هو من مشاريع الآخرة. وسأوضح لك المعنى أكثر:
قد تحظى في تجارة وأرزاق ومال يصب عليك صبًا من كل اتجاه ومن كل باب، لكن ما تراه أنت غير الذي يراه الناس، أنت ترى أن لا بد أن تكون هذه التجارة أن تفتح لك أبوابًا بالآخرة، قد تكون أعمالًا وصدقات وقربات وزكاة والبعد عن أبواب الحرام.
وقد يأتيك النصيب من الزواج والمحبة والكثير من خيوط المودة التي تلتف بينكم، فلا تراها كما يرون أهل أرباب الدنيا، فأنت تريد رضا الله وأن لا تضيع حقًا من حقوق الزوجية حتى يحفظ الله لك تلك الخلة والمحبة في الآخرة.
وقد يأتيك العزة ورفعة بالشأن، وقد يرى الناس أن نجومك قد بزغت وسطع اسمك، لكنك لا تراها كما يرون، بل تعلم من أوجدها من العدم، فتكون تلك الرفعة التي أصابتك آية لك في دنياك، وزيادة لك بالخضوع إلى الله والرغبة الشديدة أن تبلغ الرفعة أيضًا في الآخرة.
وقد تتولى المنصب ويرفع الله من قدرك وتصبح أعين الناس حولك متأدبة، ليست خوفًا منك، كلا، إنما وليت عليهم وازدادت هيبتك، فلا ترى مديحًا أو ثناءً لك هو دليل بقدر ما تعلم أنك لابد أن تصلح الخلل وتجبر الكسر وتنهض بالضعيف، فعلمت التمكين هذا من الله سبحانه، وطمعت أن يكون عملك هذا شاهدًا لك بالآخرة.

وهنا أريدك أن تفهم معنى جيدًا يحاول بعض الناس أن يقنعوك بذلك: لماذا غيري في نعيم ولم يصبهم ابتلاء ولا حتى شدة؟ وغيرهم الكثير من تلك الأقاويل.
لكن قد تكون بعض النعم تتشابه في أشكالها وأسمائها، لكن النعم التي تكون ثوابًا من عند الله وجبرًا وعوضًا ومكرمة إلهية ليست مثل النعم التي تراها مدى العينين بين الناس.
النعم المحفوظة: تلك التي تكون مع الوعي والإدراك والبصيرة، وغاية بالآخرة وسبيل إلى الله ورضوان من الله بكل خطوة. (بعض النعم التي تراها مع الناس سألوا الله بالدعاء، وقد مرت عليهم شدة بحياتهم بالسابق وأنت لم تعلم عنها، ولم ترَ إلا حصاد ثمارها، وقد ترى أيضًا على النقيض نعمًا أنت تراها، ولكنها من أناس معرضين عن الله، وما كانت تلك النعم إلا استدراجًا بالمعاصي، ولو كشف لك الستار الغيب وما سيحدث بعدها من نزاع وبركة منزوعة أو مصيبة)، لذلك حتى النعم التي تراها بين الناس لا يعلم عنها إلا الله جل وعلا.

أنت الآن بلغت المنزلة بعد الفرج، كل أيام الشدة اجتزتها وأصبحت كالوثيقة التي تملكها، وهي غالية الثمن، لا تود إفلاتها ولا تضييعها، قد تختلف الهبات والعطايا بين المؤمنين بعد الفرج، لكن هناك أمر وحال قد يتشابه بينهم، وهو كل ما كان في أيام الشدة متسلطًا عليهم بالقوة والاستبداد أو عدم الخوف من الله، ستصغر ظلاله وستختفي ملامحه، وستعجب من عدم رؤيتك له، وهذه ليست مبالغة، فإن بعد الفرج حالًا غير ما قبله، تجدهم صاغرين ولا تسمع منهم همسًا ولا ركزًا، فاستبشر وطب خاطرًا وهنأ، واعلم أن هناك أمورًا مقبلة قد لا تكتب ولا توصف. وتذكر أن أهل الجنة في حال من الذهول وألسنتهم لم تنفك عن التسبيح عند رؤية النعم، وستأتيك تلك الدهشة التي تنسيك كل ما آلمك ومن كان له يد في ألمك.

هناك معنى سيفهمه كل من حظي بالفرج وبلغ المنزلة، أن التعلق لا يكون إلا بالله، ولا يكون لمخلوق ولا لمكانة ولا حتى ما تسميه بالسند والعزوة. هذا الدرس كفيل لك بأن أعطيت به مفاتيح إلى الجنة. فإن التعلق يكون بالله وحده، ولا يطلب النصيب ولا الأرزاق إلا من الله.
ولأن المقال لا يكفي لكل المعاني، سأنهي هذه السلسلة وأعاودكم بالمقال القادم عن صور التعلق، وأسأل الله أن يوفقني فيها. وما كتبته فيه إلا اجتهادًا وتأملًا بلطف الله ورعايته ورحمته، والله أعلم، وإنني لأرجو من الله أن أكون قد وفّقت في تقديم الفائدة، ولو بالقليل.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى