إذا كان الله ناصرك، فما الذي تخشاه؟

قد يتعجب الناس من اختلاف ابتلاءاتهم.. هذا يمر بفقد، وذاك بخذلان، وثالث ينتظر أمرًا طال انتظاره، ورابع يعيش ظرفًا لا يستطيع أن يشرحه لأحد. حتى التفاصيل التي تؤلمنا لا تتشابه، ولذلك قد ينظر الإنسان إلى ما يمر به ويقول في داخله: لا أحد يفهم ما أشعر به، لأن أحدًا لم يعش قصتي، ولم يرى الأشياء بالطريقة التي رأيتها بها، ولم يعرف ماذا يعني هذا الأمر بالنسبة لي.

وهذا صحيح من جهة، فليس كل إنسان يستطيع أن يفهم تفاصيل تجربة غيره، ولا يمكن لأحد أن يشعر بألمك بالطريقة التي تشعر بها أنت. لكن هناك شيئًا أعمق من تفاصيل الأحداث نفسها، شيئًا قد يجتمع فيه المؤمنون وإن اختلفت قصصهم تمامًا: استجابتهم لله حين تضيق بهم الحياة.

فالذي فقد عزيزًا، والذي خُذل، والذي أُغلق في وجهه باب كان يرجوه، والذي طال انتظاره حتى بدأ يتعب من الانتظار، قد لا يستطيع أحد منهم أن يصف للآخر ما يشعر به بدقة، لكنهم جميعًا يستطيعون أن يلتقوا عند معنى واحد: أن الله ناصر عبده، وأن ما يحدث، مهما عظم في أعينهم، ليس أكبر من الله سبحانه.

وهذا المعنى لا يُترك للحظة التي يشتد فيها البلاء، وإنما يُبنى في القلب قبلها. لأن الإنسان حين تضيق به الحياة يحتاج إلى ثقة بالله تكون أرسخ من الحدث نفسه، فلا يبدأ في تلك اللحظة بالبحث عن اليقين، وإنما يجد في داخله ما عاش عليه طويلًا.

لذلك لا تجعل كل منع علامة على الحرمان، ولا كل تغير دليلًا على أن الأمور تسير ضدك. اترك في نفسك دائمًا مساحة لحكمة لا تراها، ولطف لم يصل إليك بعد، وتقدير لا تعرف أين ينتهي بك. وهذه الممارسة في الأيام العادية هي التي تصنع في القلب ما يحتاجه حين تأتي الأيام الثقيلة.

فإذا كان حسن الظن بالله قد صار جزءًا من نظرتك للأشياء، لم تكن العاصفة أول مرة تتعلم فيها كيف تقف. وإنما تكون قد بنيت في داخلك شيئًا يشبه الجدار. جدارًا لا يمنع نزول المطر، لكنه يمنع المطر من أن يهدم البيت. وعندما يقع البلاء، قد تكثر الهواجس، وقد يمتلئ الرأس بالأسئلة، وقد يضيق الصدر بما لا يستطيع الإنسان وصفه، لكن خلف كل ذلك يكون هناك معنى أقوى منه: الله يعلم، والله يرى، والله أرحم بي من نفسي.

فلا تستقبل الحدث كما لو أنه القصة كلها. استقبله وأنت تعرف أن هناك ربًا وراءه، وأنك مأمور في هذه اللحظة بما تستطيع، وأن ما لا تستطيع تتركه لمن يستطيع. قد تحزن، لكنك تحسن الظن. وقد تتعب، لكنك لا تسخط. وقد لا تعرف لماذا حدث الأمر، لكنك لا تجعل جهلك بالحكمة سببًا للرفض. أنت هنا لا تحاول أن تتجاوز مشاعرك، وإنما تختار كيف يكون قلبك أمام الله وهو يمر بها، وهذه في نفسها عبادة، لأنك في اللحظة التي كان يمكن أن تأخذك فيها نفسك إلى الاعتراض، بقيت عبدًا لله.

ثم انظر ماذا يمكن أن يصنع هذا في حياتك. قد ترى النصر أمام عينيك، وقد يأتي يوم ينكشف فيه لك لماذا ثبتَّ، ولماذا لم تتعجل، ولماذا لم تفسد قلبك بالظنون، وترى بنفسك كيف جمع الله الأمور التي ظننت يومًا أنها لن تجتمع، وكيف فتح الباب الذي لم تكن تعرف أنه موجود. وكيف جاءك الفرج في الوقت الذي كان أنسب لك، لا في الوقت الذي كنت تظنه أنسب لك.

وحينها لن يكون النصر هو الشيء الوحيد الذي كسبته. لأنك كنت في الطريق كله في عبادة. كل مرة دعوت وأنت لا تعرف متى تأتي الإجابة، وكل مرة صبرت فيها على ما لا تستطيع تغييره، لم تكن تلك الساعات فارغة من المعنى حتى لو لم يتغير شيء أمام عينيك. كان يُكتب لك فيها أجر.

وهذه من أعظم الحقائق التي ينبغي أن يتذكرها المؤمن في الابتلاء: أنك لا تنتظر فقط أن ينتهي الأمر حتى تعرف أنك ربحت. أنت تستطيع أن تربح وأنت ما زلت في منتصفه. لأن القرب من الله هو الفوز في نفسه. والأجر الذي يكتبه الله لك على صبرك وثباتك ليس شيئًا مؤجلًا إلى أن تتغير الظروف، ولكن ثمرة حاضرة في صحيفتك، وإن لم ترها بعينيك الآن.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى