امسك نفسك، لا تفلتها

كم منا من يخطط قبيل يومه لإنجاز بعض المهمات في الدراسة أو العمل، أو لقراءة القرآن وصلاة الليل، وبعض العبادات، وحين الاستيقاظ يشعر أن كل خططه باتت في السراب وأن الهموم أطبقت على صدره بإحكام.
وحتى عند إلغاء الخطط والمهمات، يتفاجأ البعض أن ما زالت نفسه ليست على ما يرام، ويشعر أن مزاجه دائمًا يقف خصمًا له عند تأدية الأعمال، وفي هذا المقال سنتطرق إلى علاج النفس بلطف دون حزن على ما فات من أعمال، فتأمل معي هذا -رعاك الله-:
إذا علمت أن النفس تسعد وتطيب، وأيضًا تيأس وتسأم وتحزن وتضيق، لعلمت أنك إما أن تطعمها، وإما أن ترفق بها، أو حتى تشد عليها في بعض الأيام. لكن النفس حساسة جدًا، وهي ذكية في الحيل عند الهروب من تأدية بعض الأعمال، لذلك كن صبورًا معها وحليمًا، وغالبًا ما يحدث أن نخفق في تأدية المهام منذ بداية اليوم، وتضيع علينا الساعات، وحتى نشعر أن النفس قد حسمت أمرها على ألا طاقة لها للإنجاز، عندها تجد أن الهم والحزن وسائر أعوانهم يقبلون علينا وفدًا واحدًا دون مقدمات.
لذلك عند الاستيقاظ، عندما تشعر أن طاقتك هبطت ولا مجال للإقلاع، فحاول قدر الإمكان أن تجعل يومك [نصف يوم]، وهذه حيلة علاجية وقاعدة عظيمة حين يفاجئك انخفاض المزاج وتريد أن تمسك بحبل إنجاز المهام.
المعنى: كل أمر كنت تود إنجازه واستيقظت على هم عارم في صدرك، فقرر في قرارة نفسك أن اليوم لا مجال للكمال، إنما اعمل نصفه، لا كله. وإذا كنت تود العمل على دراسة أو مذاكرة، فاجعل الساعات أقلها حتى لو دقائق ميسورة. وإن كنت صاحب تجارة وأعمال ولديك الكثير من الإلتزامات، فاعمل على نصف مهامك ولا تبالغ في الإكمال.
وكل مهمة تود فعلها، جزئها إلى نصفين واعمل نصفها، وهون على نفسك ما أصابك من كدر أو ضيق. فالنفس عزيزة جدًا، وجامحة ولديها الكثير من الرغبات، وأحيانًا تغلبك في القعود دون مضي ولا حتى التفات إلى ما تريده من إنجاز، وإنك لو أقمت نصف يومك لرأيت أن النفس شعرت بالقليل من الانتصار. وهذا من كياسة المؤمن لتربية النفس على المجاهدة والترفق بها عند العصيان.
وحتى قراءة القرآن وصلاة الليل، عندما تشعر أنك لا طاقة لك اليوم للعبادة من الهموم التي أقنعتك أنك كسلان، خذ على نفسك قاعدة: إذا أصبحت بنصف مزاج، فاعمل على نصف الأعمال. أي اجعلها قراءة صفحة واحدة من القرآن، أو ركعة وتر واحدة قبيل النوم. فربط العبادات بالحبل على يديك يجعلك تمسك زمامها وأمرها، والأجمل من هذا كله، عندما تعرف كيف تنظم عباداتك في أقل صورة، تجدك ماهرًا ولبيبًا عند تنظيم بقية أعمالك الدراسية أو المالية أو العائلية، فالعبادة تهذبك وتجعل نفسك سيدة ليست ذليلة ولا حائرة، وحتى لو خاصمتك يومًا، فإنك تعلم جيدًا كيف تهدئها وتتلطف مع جروحها حتى لا تتأذى وتزيدك بالكثير من الآلام.
ولا بد أن تعي أمرًا، أن قدميك في العبادة إما متقدمتان في زيادة الإيمان أو متأخرتان، فلا مجال للهدنة ولا الراحة، لكن لو كنت تمسك القليل والبسيط من العبادات، لكانت قدماك متقدمتين، ويثيبك الله على هذه المجاهدة والرغبة في رضا الرحمن.
وإنني والله أقرأ بعض الرسائل وأجد بعض الهموم والأحزان تُكتب والكثير من الخيبات، فإنك لا تعلم أن هناك حالتين: حالًا فيه من الشدة والابتلاء أو كثرة التعسير، لكن تجد النفس صابرة، وقد تكون متألمة، لكنها تتجمل أمام الناس وتشكو لرب الناس، وقد يكون في الحال الآخر لبعض الناس أن الشدة نفسها وبمقاديرها، لكن النفس في حالة من الحزن الشديد والعارم، والهموم تخرج كالسخونة من بين الأجساد، ولو علمت أن للنفس دورها، وهي من تزيد عليك بالآهات، أو أنك أرهقتها بالرغبات.
لكنك لو اتخذت طريقًا لتربية النفس لترويضها على الهدوء عند شدة العواصف، وعلى تعليمها الصمت عند شدة الغضب، وعلى التفاؤل وحسن الظن بالله عندما يكون كل شيء ضدك وخصمك، لوجدت أنك تمضي بالطريق، لكن نفسك كبيرة وحليمة ومتصبرة.
لذلك لا تبالغ في الشد معها عندما تخاصمك مرات، ولا تغضب إذا شعرت أن يومك ضاع وهبّت خططك بالرياح، ولا تحزن لو رأيت أنك ما زلت تريد، لكن ليس حولك معين، وخفّ عليك اليقين. مشاعرك طبيعية، وهي من مشاعر البشر، وكل ما مررت به له أسبابه ومن تسبب به من البشر، ولو قررت في قرارة نفسك ألا تلوم نفسك ولا تعاتبها، إنما تمضي وتمسك حبالها في يديك بإحكام دون إفلات، لرأيت تغيرات كبيرة داخل نفسك، ولرأيت أن حالات الغضب القديمة التي كانت تمر بك أصبحت نوباتها ليست مثل السابق، وحتى الأحزان والهموم، فإن أقبلت، فإنك تعلم كيف تخرج نفسك منها بالسرعة والتصدي للنوبات بالحزم والرغبة الصادقة في العيش بسلام.
لا تقل لي عن مدى ما تعانيه وبما مررت به، وكيف هي شدتك وكيف أصبح الحزن رفيقًا مع الأيام، إنما أخبرني كيف تعامل نفسك، وهل تملك الحبال وهي بين يديك؟ وهل العبادات في زيادة أو نقصان؟
لذلك، اتخذ هذه القاعدة دومًا عندما ترى طاقتك في حالة من الانخفاض والإحباط، وأدِّ المهمة نصفها لا كلها، ستجد نفسك في نهاية اليوم كأنها انتصرت، وأنت تشعر بالرضا لأنك استطعت العمل ولو بالقليل من المهام.



