عند شدة الابتلاء لا تنظر إلى الخلف

عند شدة الابتلاء لا تنظر إلى الخلف، ولا تُكثر الالتفات؛ مهمتك أن تستقيم، لا أن تميل.

في وقت البلاء الذي يُقدّره الله جلّ علاه بحكمته، لا تبحث عن الأسباب أو المتسبب، حتى لو طال بك الزمان خمسة أعوام أو عشرة أعوام؛ فسينقضي، وسيفرّجها الله بقدرته وكرمه.

امضِ، واعلم أن للفرج إماراتٍ يُبشّر الله بها عباده الصابرين المؤمنين:

  • تأتيك بشارات في المنام، وقد لا ترى أثرها شيئًا حتى لو مضى عامٌ كامل، لكن هذه من تدبير الله جلّ جلاله؛ ليذكّرك أن الفرج قادم لا محالة، لكنه مُقدّر، وما عليك إلا أن تصبر وتَصطبر.
  • يشتدّ البلاء ويكثر، لكن كلما انقضت المدة تفاجأت بأنك كنت الصابر والحازم، ولا تعلم في الحقيقة أن الله هو الذي صبّرك.

عندما ينزل البلاء، فليس المعنى أن تغيّر القدر؛ فالقدر مكتوب، ولكن عليك بكثرة الطاعات والرجوع إلى الله، بالفرائض قبل السنن والنوافل.

  • الدعاء هو أقوى ما تملك، فلا تُفرّط فيه، واعلم أن هذه العبادة الجليلة لها أوقاتٌ شرّفنا الله بها، ومنها: الثلث الأخير من الليل، وبعد الأذان مباشرة، وبين الأذان والإقامة. أي: أنك تدعو الله في كل هذه الأوقات دون كللٍ أو يأس.
  • واعلم أن الابتلاء خيرُه عظيم، ومن رحمة الله بك ولطفه أنه كالرزق الذي ساقه إليك؛ فالأجور ستنهال عليك كالنهر الجاري، وسيكون سببًا لرفعتك يوم القيامة، وسببًا لدخولك الجنة بإذنه، وتطهيرك من الذنوب والمعاصي.

بعد فترةٍ طويلةٍ جدًا من التأمل في الباحثين عن الأسباب والموانع التي حالت بينهم وبين ما يرجونه في سُلَّم حياتهم، وجدت حكمةً بليغةً جدًا في كل إنسان.

أن من حاول نبش سجلات القدر، أو حاول تتبُّع أثر أقدام الأرزاق، فلن يبلغ شيئًا؛ فالأقدار ليست من الماضي لكي يُعاد فهمها، ولا الأرزاق فائتةً لكي يُرجع إلى طريقها.

هي أقدارٌ مرتبة، وفيها حكمةٌ بالغة، ويكفيك رهبةً أن الله يعلم الغيب. نعم، رهبةً؛ فإن رجوت منه ما تتمناه، ثم حيل بينك وبينه، فاعلم أن الله أعلم بالغيب وبالقدر، فعليك حينئذٍ أن تعيد فهمك للحياة، وليس المقصود هنا الزهد فيما تطلب.

أحيانًا، بل غالبًا، الحياة لا تطلب منك أن تكون حكيمًا لتفهم الأسباب، ولا قويًا لتسترد حقك، ولا ذكيًا لتخدع غيرك، ولا ناقمًا لتحسد غيرك، ولا جاحدًا لتكفر بنعمة ربك.

بل علينا أن نعمل على التسليم لله بكل ما أوتينا من قوة. وأعتقد –والعلم عند الله العليم– أن من جعل هذا الأصل منهجًا في حياته، سيجد طمأنينةً في تقبُّل الأقدار المؤلمة، وسيزداد حسنُ ظنه بالله، ويزداد إقبالًا على الطاعات طمعًا فيما عند الله، فلا يرجو من نفسه أن يغيِّر القدر، ولا من الخلق أن يجلبوا له الهبات.

إن التسليم لله سيجعل سكان عقلك مطيعين لك، كأنهم على السمع والطاعة، وإن تدخلت أنت فيما لا تملك من أقدار الله، ثاروا عليك بالقلق والاضطراب، وعدم تقبُّل ما قُدِّر لك.

تذكّر أن الأيام الشديدة قليلة، وإن طالت، وأن أيام الفرح والسعة كثيرةٌ من الله جلّ علاه، وإن تأخرت.

صلاة ركعتين خفيفتين لا تنسَها، وتذكّرها دائمًا عندما يصعب عليك الحال، أو تتعقد الأمور، أو تتشابك الأفكار.

[ليست صلاة استخارة] بل هي وصية من الشيخ صالح اللحيدان رحمه الله: أنَّه إذا استصعب عليك أمر، ولم تعرف كيف تُحلّه، فالْجأ إلى الله فورًا، توضأ وصلِّ ركعتين، وبعد الصلاة ادعُ الله أن يفتح عليك في هذا الأمر، ثم قم وتوكّل على الله، وانتظر فرجه بروحٍ مطمئنة لا خائفة.

تذكّر قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

“واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.”

فقوله هذا كافٍ لك؛ لتعلم أنك لست سببًا لهذه الشدة أو العسر، ولست أيضًا قادرًا على رفعه، بل كلّه من تقدير العزيز العليم.

اصبر وصابر واصطبر، واعلم أن الأيام الشديدة:

تُنضج العقل، ترتّب الأفكار، تُبعد عنك الماكرين، تصرف عنك المخادعين، تهذّبك وتجعلك صالحًا، بل تجعلك أقوى بإذن الرحمن. ويكفيك من هذا كله أنها كانت سببًا لقربك ولجوئك إلى الله.

ألزم محراب الدعاء، وتضرّع إلى الله أن يُنزّل عليك الفرج، ولا تيأس ولا تقنط من الحال.

لأن الفرج إذا قدم إليك، فسيكون عوض الله وكرمه الإلهي ينتظرانك خلف الباب. أتلبس له أحسن الثياب؟ وتنتقي له أجمل الحروف والكلمات؟ نعم، لذلك إذا نزل الفرج من الرحمن، فعليك أن تُهذّب النفس بالاطمئنان.

سبحانه جلّ علاه، لطيفٌ بنا، كريمٌ علينا، يرسل إليك الفرج مع الهبات والرزق وراحة البال. وعندما أتأمل رحمة الله بعد الفرج، أتذكر الجنة وخيرها، وكيف يكون أهلها في أجمل حالٍ وأصفى بال.

يحبك الله، وأراد لك منزلةً عظيمةً وقدرًا كريمًا؛ أفلا تصبر؟

أَصابَ من قلبك موضعًا؟

إن راق لك المقال، فامنحه من نجومك ما ترى. [من اليمين نجمة، ومن اليسار 5خمس نجوم]

متوسط التقييم 0 / 5. نتيجة التصويت 0

لم يخط أحد بعد إلى مجلس التقييم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى