لا قريب، ولا بعيد

هناك قاعدة في الحياة: كلما زاد تعلقك بالأمر، زاد رفضك لما يعاكسه.
أي كلما أردت أن تعيش في الحياة بسلام وهناء، وكان هذا من أساس تكوين شخصيتك، فإنك لن تقبل أن تعيش على صفيح ساخن مهما حصل، وسترفض الزمان والمكان حتى يطيب لك العيش.
وأيضًا لو كنت متعلقًا بتجارتك ومشروعك، فلن ترضى وتهدأ وتجعل جنود عقلك ساكنين حتى ترى أعلام النصر والنجاح، أما إن لم تنل المطلوب، فإنك ستكون غاضبًا أو ناقمًا، والضيق بين عينيك.
وحتى لو كانت رغباتك النفسية في الزواج وتكوين الأسرة، وإن لم يتهيأ ويحصل النصيب، تجد نفسك في حالة من الكآبة وعدم الرضا مهما تبدلت أحوالك وتغيرت لديك المفاهيم.
وكلما تحدثنا عن مثال، سنجد ما يعاكسه، وكأنك تقول: إن لم أحصل على ما أريد، فلن أرضى بالحياة.
وقد تعتقد أنني سأقول لك إن هذا عيب فيك، أو لعلك لم تفهم الحياة، كلا، فالإنسان جبلت نفسه على رغبات وطموحات وغايات، وليس ما تطلبه من المحال، ولا حتى شعورك هذا تُلام عليه، لكن ما يهم من هذا كله: كيف تمضي بالحياة وتحصل عليه، وتكون في حالة من السكون والهدوء؟ وانتبه، لم أقل إنك تتجاوزه أو تتخطاه، لا، إنما ما هي السبل لتهدئة النفس حتى تنال المطلوب.
لذلك في هذا المقال أود أن أدعك تتأمل بعض النقاط والأمور، تخيلها كأن معك في يديك خريطة، وأتتك خريطة أخرى تكملها، لكن عليها بعض التفاصيل والمفاتيح لبلوغ غايتك، هدفك، أو مهما كانت طموحاتك، فتأمل هذا – رعاك الله -:
أولًا:
إن كانت طموحاتك ورغباتك وأمنياتك كبرت في عقلك، وزادت جذورها وترسخت، وتشعر أنك لن تطيب حتى تراها أمام عينيك قريبًا، وتريد النصيب.
وكلما زاد تعلقك بها، تشعر أن لحظات اليأس تزيد، فاعلم أن لا يكاد إنسان يخلو من لحظات الضعف في اليقين، واليأس من الفرج، والقنوط في بعض اللحظات، ولا تكون دائمة في أغلب حالاتهم، إنما هي لحظات.
وهذه اللحظات إذا راودتك، فاعلم أنك بالجسر الصحيح، وكل من يمضون معك ويحاولون تجاوز الطريق، تأتيهم هذه اللحظات من قلة الناصر والمعين.
لذلك تقبل هذه اللحظات، فهي تزور أغلب الناس وتطرق بيوتهم وديارهم، وليس هذا دليلًا أنك لن تبلغ المطلوب، كلا، لكن لا تدعها سيدة الدار، ولا تخرج حين تدخل في أبواب عقلك، تقبلها أنها ستزورك في أيام، كأنها ضيف تعلم بقدومه، حديثه، وكيف هي علاماته، فعندما تتقبلها، ستعلم أنها قد تكون ليلة، أو أسبوعًا، حتى تشعر هي بالضيق وتخرج تلك المشاعر دون أن تشعر حتى.
ثانيًا:
قد تفتح على نفسك بعض الأحاديث، وتقول: لعلها لن تصيب، لعلي بالغت في المطلوب، ويضيق صدرك ليالي، لكن إذا كنت قريبًا من الدعاء والرجاء إلى الله، ستجد أن الله يبشر عباده وينزل عليهم الرحمات قبل نزول الإجابات، ومنها البشائر تأتيك بالمنامات، وتقوم من النوم، تتعجب أنك بالأمس كنت في حالة ضعف ويأس، والله أراك بعض البشائر أن الخير مقبل عليك، وقد تستبشر، ويطيب خاطرك في ذلك اليوم.
لذلك كل من نزل عليهم الفرج، وأقبلت عليهم عطايا الرحمن بالبركات والخير الكبير، يقولون: عندما كنا في أيام الشدة والابتلاء، رأينا منامات وبشائر، ولو قلنا لأحد في تلك الأوقات لما صدقنا أحد. لذلك عندما يريك الله البشائر بقدوم الفرج، فهذه بشارة.
لا تتعلق بها، لكن استبشر بها، واعلم أن الله رحيم بك، يريك لا ليحزنك، إنما يريك لتعلم أن الخير قادم بالخيرات.
ثالثًا:
اتخذ قاعدة في تهدئة نفسك مهما تعقدت الأمور، أو تأخرت الإجابات، وهي: لا قريب، ولا بعيد.
قل لنفسك مرارًا هذا، وذكّر نفسك بها، لا تقل إنه قد يكون الفرج في هذا الشهر، ولا تقل إن الفرج بعد سنوات. واعلم أن الفرج حلو، وطعمه فيه حلاوة، وجماله لا تصفه العينان، ومن رحمة الله الكبيرة والعظيمة أن تجد أن رائحة الفرج تقبل عليك قبل نزوله في شهور، ستشعر بقرب الفرج، وقد يراودك سؤال: هل بعد الفرج سيطيب لي الحال؟ نعم، وسترضى، وبعد هذا الرضا ستخجل من الله، على كل اللحظات، ولا عيب ولا حرج عندما تخجل من الله، فالله رحيم بك، ولطيف، وحتى خجلك منه سيثيبك عليه بالأجور والحسنات.
لذلك بعد نزول الفرج، ستتبدل حياتك بالتدريج، وتذكر هذا جيدًا، فعندما تقول: من المحال حدوث هكذا! أو كيف ستتبدل حياتي في يوم وليلة!
لكنك في الحقيقة لا تعلم كيف يكون تدبير الله، رائحة الفرج ستعرفها قبل نزولها، وبعد نزول الفرج، ستبصر كيف حدث أمر لا يصدقه العقل ولا تتفق معه العينان.
سترى كيف الترتيبات بعدها، ستشعر كأنها صورة تتحرك أمامك، ليس لك إلا مشاهدتها والتسبيح حين رؤيتها. ولا عليك من تحريكها، فالله يتكفل بالفرج بكل تفاصيله وأسبابه.
لذلك لا تشعر أن أمرك محال مع الله، لكن ثق في تدبير الله، وذكّر نفسك عندما يطرق الشيطان الطبول داخل قلبك، قل: لعلها ليست قريبة ولا بعيدة. فكلما اتخذت هذه القاعدة، وجدت نفسك مطمئنة، فهي لا تبالغ باليأس والقنوط، ولا حتى بالروع والهلع.
رابعًا:
بعد أن علمت الجواب، وتأهبت نفسك للمضي في الرحلة، فتأكد من أمتعتك، وردائك، وإلى أين وجهتك. فأمتعتك هي عباداتك، دعاؤك، ذكرك، ولزوم الفرائض، فكلما زادت كانت خيرًا كبيرًا وعظيمًا في دنياك قبل آخرتك.
وحين تستعد، فعليك النظر إلى حالك وما هي عباءتك ورداؤك، فلا تجعل الله يراك في رداء ليس بردائك، وفيك من حسن الجمال واللطف في ثناياك، لكن يتعجب كل من يمضي بقربك: لماذا لبست القبيح؟ فلماذا تلبس رداء ليس بردائك ولا يليق عليك؟
فكم من إنسان، تجده صاحب عبادة خفية لا يعلم بها إلا الله، وذكر بلسانه، ورحمة كبيرة داخل قلبه، لكن تجد بعض المعاصي الظاهرة التي تكاد تبان لكل من يمضي بقربه ومعه. فإن كنت جميلًا، والرداء قبيح، فما عليك إلا أن تغيره وتتجمل بما يليق عليك. وليس لأجل الناس، بل لأجل رب الناس، فكلما ابتعدت عن المعاصي الظاهرة، قربت إليك العبادات الخفية والظاهرة، وقد لا تصدق أنك قد تملكها بين يديك، وهذا من عظيم لطف الله على عباده وكرمه الكبير على عباده التائبين.
وتذكر أيضًا جهتك، وإلى أين اللقاء سيكون؟ هل المكان يرضي الله وبالحلال؟ فإن كان ليس في حمى ما يغضب الرحمن، فالحمد لله إذن على غاياتك وطموحاتك، فلا تظن أنها بعيدة، والله هو الذي يجمع ويهيئ الأقدار برحمته.
أخيرًا، إذا خطرت عليك خاطرة: هل وجهتي قد تتغير في الحياة؟ وهل إن كنت أناضل بحياتي وشبابي على أمر، حتى بعد دعائي ورجائي إلى الله، أنه سيكون في مكان لم أخطط له ولم يكن من أهدافي؟
نعم، قد تتغير خريطتك، وتتغير وجهتك بتقدير العزيز العليم، لكن أبشر، فإن تغيرت، فاعلم أن الوجهة فوق خيالك وتوقعاتك، وحلمًا كان بالسابق صعبًا نيله وبلوغه، لكن مشيئة الله فوق مشيئة تدبير البشر. سيرضيك، ويعطيك حتى يرضيك، وبعد رضائك هذا لن يرضيك إلا الجنان في الآخرة.



