لا تكن صادقًا

قد تتذكر أشخاصًا في الذاكرة لم تنسَ أفعالهم، وأقوالهم، أو حتى مواقفهم التي مرّت، لماذا كانوا لا يقولون شيئًا ذا قيمة أو يعبّر عنهم، لكن كانت أفعالهم مؤلمة وشديدة، وتتعجب لماذا قلبك وعقلك تخاصما مع أذنيك، فالقلب يقنع الأذنين أنه لا يرتاح بالجلسة، والأذنان تقولان: لكني لم أسمع شيئًا يثير الريبة، والعقل يرد عليه: ألا تقتنع أن الأفعال لا تنطبق مع الأقوال؟

فالعقل أوجده الله لتفكر والتحليل بعد ما تأتيه الملفات، فقد يقبل عليه ملف من القلب، ويأتيه ملف من الأذنين، وحتى المشاعر الأخرى فقد تنتظر عند الباب ليسمع منها شكواها وطلباتها.

وعندما يخبرك العقل أن هذا الإنسان الذي أمامك، فإن ملفاته لا تنطبق ولم تتشابه، وأنه قد يكون ليس بصادق، وأن أفعاله قد تكون مثل الخنادق، فلا تتجاهل إشاراته ولا عدم ارتياحك له أثناء الجلسة.


وتذكر كم مرة انتهت بعض العلاقات، وكنت تقول لنفسك: لقد كنت أعلم أن هناك شيئًا لا يرام، وكنت أشعر بذلك جيدًا. وقد تندم على كثير من أقوالك معهم، وحتى أنك أحسنت الظن بهم.
الحقيقة ما خلف ذلك كله أن عقلك كان يعاتبك ويخبرك أن تتراجع عن إظهار صدقك. ولا تظهر صدق أفعالك عمّن كان الخير بعيدًا عن عينيه، وكان سوء الظن بين جانبيه.

في المقال سأشير عليك إلى علامات تظهر أمامك وأثناء الجلسة، وإذا رأيت أنك تفعلها مع أشخاص بالسابق، فاعلم أن هناك خللًا بالعلاقة، سواء كانوا في دائرتك القريبة أو الأقرب من القريبة.
فإن ظهور هذه العلامات، ولا أقول عنها إنها علامات حمراء بالعلاقة، كلا، إنما أقول علامات برتقالية، فهي لم تحمر حتى الآن، لكن إن وجدتها، فما عليك إلا أن تخفي صدقك، وستعلم جيدًا أن الصدق كان من أعوانك وخيرة جنودك، لكن لا بد أن تخفيه لئلا أحدًا يعلم عن بياض نيتك.

أول العلامات:
تجد نفسك تبرر كثيرًا في أمور تخصك، وهنا لا بد أن تقف عليها كثيرًا. عندما تحاول إقناع أخ أو صديق بأمر يخصه هو، لا أنت، فإن بررت له موقفك أو نصيحتك فقد يكون من تمام النصح والصحبة والمحبة، لكن أن وجدت نفسك تبرر لأحد في أمر يخصك أنت، فاعلم أن الطرف الآخر لا يكن لك المشاعر ولا يعكس عليك مرآة صدقك.
المعنى: عندما لا تسمع منه شيئًا سيئًا، ولم ينتقدك، ولم يجرحك بكلمة، لكن إن كنت تسعى أن تبرر له مواقفك، فاعلم أن عينيك ترى شيئًا، والأذنان لم ترياه حتى الآن.
قد ترى العينان صمتًا عقابيًا، أو تجاهلًا مقصودًا، أو عدم اهتمام في مستقبلك أو ما يحزنك ويكدر خاطرك، لذلك إذا وجدت هذه العلامات، فاعلم أنك تجتهد في موضع صدق لمن لا يفهمه وليس من أهله.
والمعنى أكثر: أخفِ صدقك، ولا تبرر، حياتك وقراراتك أنت تملك أمرها، وإذا تاقت نفسك لشيء أو احتارت عيناك، فاجعل صدق لسانك بين دعائك ولا يعلم به إلا الله جل جلاله، ويكفينا ذلك أن الله عندما يسمع دعاءك فإنه يستجيب بإذنه ويبدل لك الأمور ويسخر لك الأرزاق، فضع دفتر صدقك عند رب الكون كله.

ثاني العلامات:
عدم تطابق أقوالهم مع أفعالهم، هذا ليس أمرًا ثانويًا أو يمكن تجاهله، بل هو بيان واضح وصريح أن الأفعال هي الأقرب للتصديق وليس الأقوال. وما وراء ذلك هو أن بعض الناس الذين لا يكنون لك الخير أو قد لا يهتمون لشأنك ولا أمرك، تجدهم في كثير من مواقف مرّت في حياتهم بالسابق علموا أن عندما ينطق لسانهم فالناس يفرون منهم ويهربون، فعلموا أن اللسان لا بد أن يُحبس، فإن حُبس اللسان انطلقت الأفعال.
فإن كان أحد تعرفه ولا ترتاح لقربه، لأن أفعاله كلها تصب في ميزان واحد: ريبة، وعدم ارتياح، مواقف مزعجة. ومع العلم لم تسمع منه قولًا جارحًا ولا انتقادًا لاذعًا، لكن أفعاله ليست محببة ولا فيها راحة.
فما عليك إلا أن تخفي صدقك على الفور، والصدق هنا المقصود: مشاعرك الصادقة لمن حولك، قراراتك المستقبلية، طموحك وغاياتك، والأدهى والأمر لو سمعوا منك ما تكره أو ما لا تطيقه، فليس كل النفوس سوية، فعندما يحصل خصام أو شجار، تجدهم يستغلون كل الكلمات العابرة وصدقك وما تريده عيناك، فيجتهدون أن لا تحصل عليه أو يحرمونك منه، أو حتى يستغلونها لمصالحهم.

ومع العلم صدقك ليس له جانب مظلم في شخصيتك، ولا أمرًا عيبًا يستحق أن تخفيه، كلا، ليس هذا المقصد بتاتًا، إنما هو ينبوع صافٍ لا خلل به، ولا شائبة.

فتجدك تعلم جيدًا ما تحبه عيناك، ما يبغضه قلبك، تميل إلى هذا الأمر وتتوق نفسك إلى تلك الغايات لتبلغها، فتجد أن صدقك هو بيان واضح عن طهارة صدرك، فليس به ريبة ولا ظلمة.

لكن ليس الناس سواسية، فكم من نفوس تعلم أنها في ظلمة، ولو كشف لك ما في صدورهم لرأيت عجبًا من العجاب، لكن الله رحيم بعباده. 

الصدق قد يكون رغبات تحتاجها بعناية، قد يكون الاهتمام ما تتوق نفسك إليه، وتظهر صدقك وتبديه فيتم استخدامه ضدك، أن تُحرم من الاهتمام عندما يريدون أن يحصلوا شيئًا منك.
وقد يكون أنك تبدي رغباتك وطموحك العالي في المستقبل وترسم لهم آمالك وكيف هي خريطتك، وستجدهم يجتهدون في مواضع في المستقبل كالخنادق ليضمنوا أن لا تمضي أمامهم.
وهذا ليس حالًا من المبالغة ولا إشارة أننا نعيش في غابة، كلا، هذه المواقف تنزل في سنوات من عمرك شئت أم أبيت، سواء تريد إدراكها في عمر العشرين، أو الثلاثين أو الأربعين أو حتى الخمسين.
فكثيرًا من الناس يعلمون أنها علامات في العلاقات لكن ينكرون، وهذا الإنكار قد يجعلهم في منطقة راحة، لئلا يزيد التفكير ولا يبلغون سلمًا في الوعي، وكلها تنبع من رغبات داخلية: أنا أعلم لكن لا أريد أن أعلم.

وقد تتذكر مواقف وجدت نفسك تبرر كثيرًا لماذا تتخذ هذا القرار، والغريب أن القرار كان لك وحدك ويخصك، وكيف بالغت في صدقك في إظهار مشاعرك، كنت تشير على أمور كثيرة، لكن بعد المواقف والنضج والإدراك ورفعت أعلام البيضاء والتسليم في العلاقات، أن الصدق يفهمونه أهل الخير والإحسان والذين يحبونك بصدق، وهم هبة من الله، يستحقون منك دوام شكر الله على نعمه وفضله.


والصدق غالي الثمن، فهو مرآة صادقة عنك، كيف تعكسها عمن لا يفهمها؟

وعند لبس عباءة النضج والتجمل به في سنواتٍ من عمرك، ستدرك جيدًا أن الصدق من المشاعر التي لا بد أن تكون مخفية وتحت جلبابك. ستعلمك السنوات الماضية والشدة التي فاتت أنها مشاعر قيمة، وغالية، ولا تلبس لكل الناس، ولا تظهر لكل القلوب، وقد يسرق أحد منك صدقك، أو قد يسلب منك، والكثير من المواقف التي علمتك أن لا تكون صادقًا مع الناس.

ولا يفهم من هذا المقال أن صدقك، وبراعتك في التحدث عن نفسك، أنها نقطة سوداء في صحيفتك، كلا، إنما أنك بلغت أنقى وأطهر الصفات، فأنت بالداخل حالة عقلك وقلبك ولسانك على وفاقٍ لا خصام.
أي أنك متزن نفسيًا، وتملك العديد من المؤهلات أن تبلغ في هذا الصدق درجات عالية في حياتك.
والأجمل من هذا كله عندما يكون لسانك صادقًا وتستطيع التعبير عن نفسك وما تريده وما تبغضه، فإنك تعلم ماذا تريد، فأنت لست في حال من الضياع ولا الإنكار ولا سوادًا من الأفعال.

لذلك لا تشعر أن صدقك كان عيبًا فيك أو نقصًا في أمرك، لا والله، إنما هو حالة لا تصلها كل النفوس، ولا يصل إليها إلا النفوس السوية.

وتذكر، أن صدقك عند الله، وفي الدعاء والرجاء، يرفعك منازل عالية، كنت بالسابق تعتقد أنك من المحال أن تصل إلى هذه الحالة، أو التمكين، أو هذا الرزق الوفير.
فعندما تطلب من الله كل شيء دون التفصيل، وترجو من الله أن يصرف عنك ما يؤذيك، وتسأل الله أن يبلغك الغايات، فأنت أخرجت صدقك فيمن لا يضيع عنده سؤال ولا رجاء، سبحانه جل وعلا، حليمًا بنا، رفيقًا علينا، ولا يؤخذ بالذنب، وهو الغفور الرحيم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى