قد تظن أنك وقعت في بئرٍ عميقٍ لا نور فيه

إذا أقبل عليك ضيف (اللوم)، وطرق بابك وجلس في مقعدك، فإياك أن تجعل بينك وبينه سمرًا طويلًا أو حديثًا عميقًا.
وتذكر قول النبي ﷺ: {واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك}، أي: إن هذا القدر الذي نزل بك من شدةٍ أو ابتلاءٍ أو تقلبٍ في الحال مكتوب مقدر، وقد يكون بغير سبب منك ولا بخطئك، ولم تكن قادرًا على رفعه ولا صرفه.
إذن، فافعل بالأسباب التي شرعها الله، وخذ بها وتمسك، ولا تفلت يداك عنها.
فالله عز وجل وعد بإجابة الدعوة وتغيير الحال إلى حال، فهو يقلب الأمور والأقدار، ويصرف الأشرار، ويجلب لك الخير والأرزاق، بدعوةٍ دعوتها وأنت في قمة يأسك وكسرك، تظن أن الإجابة مستحيلة، ويزداد ألمك، وتدعو وتقول: وما أرى حالي إلا في انحدار.
لكن تفكر بالله عز وجل، عز شأنه وجل جلاله، لا يعجزه شيء، وما أصابك إلا بمشيئته وبعلمه. قد تظن أنك وقعت في بئرٍ عميقٍ لا نور فيه، ولا تعلم أن الله كان يحميك ويجتبيك من سوءٍ وشر، وقد يكون ما أصابك هو بداية الهداية، أو بداية التمكين، أو بداية السعادة في الدنيا قبل الآخرة.
تأمل في حال الدنيا، ستجد إجاباتٍ كثيرة، وتأمل في حال الناس، تعلم أن الله لا ينصر الظالم، ولا يخذل أهل الحق، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
وقد ينفث الشيطان في صدرك بعض الخواطر، ويقول لك: لماذا أنت، ولماذا لم يصب غيرك؟ أنت لم تفعل شيئًا يستحق هذا العذاب.
فما عليك إلا أن تكبر صوت العقل في داخلك: لعل ثقل الأقدار في الدنيا، يكون لنا حجةً يوم القيامة.
ولعلمك: سترى أناسًا سعداء يوم القيامة ليس بأعمالٍ صالحة فقط أو قربات، وإنما لما كان لديهم في الدنيا فترة من الزمن (حزن كسر قلوبهم، وألم مر بهم من أيامٍ شديدة)، وتذكر جيدًا أنها فترة وليست دائمة، وليست طول حياتهم.
وأيضًا لعل بعض الأقدار، كانت نداءً لك للهداية، لتقول لك: الطريق من هنا وليس من هناك.
تأمل في حال العصاة كيف ضاع لديهم الطريق، واختلفت عليهم خرائط الحياة، ونسوا كيف يعيشون من جديد.
فالقدر الشديد ليس ليعذبك، ولا ليغيبك، وإنما لترى الحياة كما أمرنا الله، فلا تلم نفسك على هذا القدر، ولا تقل: لن أحيا من جديد.
استبشر، فإن الدعوة مجابة، والحال سيتغير بإذن الله، ولا تعتقد أنك لن تُنصر في الدنيا، أو أن أبواب الأرزاق أغلقت عليك. لا.. فالله الذي رفع السماء بلا عمد، سترزق وستعطى، وسترى الفرج بعينك، فالله هو القادر الرازق، وهو على كل شيء قدير.
فاطرد اللوم، وتفكر في طموحاتك وغاياتك، ولا تتنازل عنها، ولا تعظم ذنبك، ولا تكبر همك. والله الذي وعد بالإجابة ومغفرة الذنوب والخطايا، قادر على أن يمحو همك وغمك، ويرضيك بالعطايا مهما تعاظمت عليك الأقدار.
كثف وأكثر من دعائك:
أن يغفر لك الذنوب كلها، ما علمت منها وما لم تعلم، وأن يعتقك من النار (وتمسك بهذا الدعاء جيدًا)، وأن يجعلك من أهل الفردوس الأعلى، ثم زد وأكثر، ثم أكثر من سؤال زينة الحياة الدنيا، ولا تزهد، ولا تقل: الطلب عظيم والمطلوب كبير، فإنك لا تطلب من الناس، وإنما من رب الناس ورب السماوات السبع والأرض.



