مراحل الفرج | 3

نستكمل معكم هذه السلسلة، بعدما تحدثنا في المقال الأول: عن مرحلة ما قبل الفرج، والمقال الثاني: المراحل الأخيرة قبل نزول الفرج، ونكمل الرحلة بعد نزول الفرج ورؤية تقلب الحال والأحوال.

وعند التحدث عن الوصول إلى شاطئ الفرج، والعبور فيه، أود أن أدعك تتأمل هذا الطريق بالذات، وأن فهمت هذا المقال ستتضح لك الصورة الجميلة من صور الفرج، وكيف سيكون حالك ومآلك بعده، فتأمل معي -رعاك الله- عند الوصول للفرج:

قد يراود البعض حين نزول الفرج بعض الخواطر، وهي: لا أعلم إذا كان هو الفرج أو لا؟

لكن ما أود منك أن تقفل عليك باب الشكوك والظنون من الآن، حين ينزل ويقع وتتقلب الأحوال ستعلم أنه الفرج، والله سينزل عليك اليقين أنه نزل عليك لا محالة، فالحال هنا مختلف (فهنا تقلب الحال، وابتعد الناس الأشرار عنك، وتبدل حالك، وتغيرت أمورك الظاهرية، والمالية، وأمور أكثر حين نزول الفرج).

وهنا بعدما رأيت الفرج وازداد إيمانك، ستمضي في طريق العبور، وهذا السبب الرئيسي في جعله مقالًا منفصل عن كل المقالات، ولأن له معنى عميق جدًا في حياتك كلها. وسأقرب لك المعنى: تخيل لو لديك سفرة إلى مكان سترتاح وستقضي بقية عمرك فيه، وستحظى في صحبة وأحباب معك، والكثير من عطايا الرحمن، ولكن عليك التحضير النفسي له، من تحضير الحقائب وترك كل الماضي والمستلزمات التي لن تهمك ولن تفيد في رحلة حياتك الجديدة، وكل ما عليك الذهاب إلى المطار الأول للإقلاع ثم الركوب في الطائرة بعضًا من الوقت، ثم النزول في مطار الوصول والذهاب إلى غايتك ومرادك وجميع ما هيأ الله لك في أعظم فصل في حياتك.

أنت الآن وقع الفرج، أي أنك تعلم أن هناك رحلة قريبة، وليس لديك شكوك، إذن هنا بعد ما وقع الفرج، عليك الانتباه أن تدبير الله وتهيئة قلبك للعطايا والهبات والخير الوفير التي طلبتها من الله، يحتاج منك القليل من التأمل والاستشعار.

لن أقول يحتاج منك الانتظار، كلا، لأن حين وقوعه وتقلب الحال، سيجعلك الله في أيام راحة لا توصف، وسيكفيك كل همومك وسيبعد عنك كل ما كاد لك في أيام الشدة، فأنت بالأصل في أيام هنية هادئة، كل يوم ستجدك تستشعر نزول الفرج وكيف تقلب حالك.

طريق العبور يحتاج منك أن تهيئ لنفسك لما هو قادم، كيف؟

اعلم أن الله سبحانه عندما خلقنا وخلق الأعضاء داخلك كلًّا على حدة، فهو يعلم ما خلق، فهو الخالق، فعندما الله يرعاك في لحظات العبور تلك، فهذه من أقوى صور لطف الله التي ستمر في حياتك، لماذا؟

لأن جهازك العصبي متعب، وفيه الكثير والكثير من الذكريات، وقد تكون نفسك رأت الفرج وتقلب الحال، لكنها ما زالت متعبة ومنهكة من طريق الشدة، فالله العظيم اللطيف يهيئ لك بعضًا من الوقت، تشعر أنك في مكان تطيب نفسك بعد كل ما آلمها، وتشعر أن ما يكدرك يخرج بالتدريج في هذه المرحلة بالذات، ستجد أن الذكريات ستخف تدريجيًا، والناس الذين تسببوا في أذاك بعد نزول الفرج تشعر بتقزمهم داخل عقلك، فأنت لسان حالك يقول: الحمد لله على هذه الراحة وراحة البال.

نعم، لا تستهن بهذه المرحلة مهما كنت تود بعض الأمور والغايات الكبيرة، أنت تحتاج لطريق العبور هذا لأن النفس إذا تعبت لابد لها من الراحة حتى لا تنكمش، ولا يصبح عقلك كالورق بين الرياح (أي تفقد ثباتك العقلي)، أنت تحتاج لهذا الطريق بالذات.

وقد يتعجب البعض ويقول: نزل الفرج وتقلب حالي وتغيرت الأحوال، وما زالت هناك أدعية كنت أدعوها ولم تنزل جميعها؟ 

لأن المرحلة الأولى في العبور بعد الفرج هي رحمة واسعة عظيمة نزلت إليك وسوف تدرك معناها عند الانتهاء من هذا المقال، لكن سأوضح لك المعنى أكثر:

تخيل لو هناك أمسية ليلية ستقابل فيها الأحبة والأحباب في ليلة جميلة، أو تخيل أن هناك سفرة إلى بلد جميل ستقضي فيه أيام إجازة راحة ورفاهية مطلقة، لكن تم إبلاغك فورًا عندما استيقظت من النوم، وقالوا لك: اذهب فورًا إلى الأمسية للقاء أحبابك، أو قالوا لك: اذهب فورًا واذهب إلى المطار؟ هل ستقبل تذهب دون تأنق ولا تجمل وترى من تحب في لبس النوم؟ أو حتى تذهب إلى المطار دون تحضير للحقيبة أو حتى التحضير النفسي قبله؟

إذن فهمت المعنى، هذه المرحلة بعد نزول الفرج، أنت تعلم جيدًا ما سيُقبل عليك، وليس لديك شكوك في عدم إجابة دعواتك، لأنك سابقًا دعوت الله بالفرج ومكّنك الله وأنزل عليك الفرج وتغيرت حياتك في يوم وليلة، لذلك عندما تتوق نفسك لبعض الأمنيات والرغبات التي كنت تلحّ الله عليها في وقت الشدة، فإن الله قد يهيئ قلبك قبل عقلك، كيف؟

المعنى أكثر: قد تكون في حال عسر وشدة بالمال أو قلّ العون والنصير، عندما ينزل الفرج ويتغير حالك وينزل عليك المال من غير حول منك ولا قوة، وترى عجائب قدرة الله في لحظات نزول الفرج، ثم تصبح أنت في حالة من الهدوء والراحة والاستقلال المالي، ما لم يخطر على بال، ثم تمضي بك هذه أيام الراحة، [طريق العبور = مكنك الله بالمال، كفاك الله همك، وفرّج لك كربك] ثم ستقبل عليك العطايا مرة أخرى محملة بالكثير من الخيرات، من الزواج وتصبح بعدها شريكة حياتك رفيقة لك وحنونة عليك، وستُرزق بالأبناء، وسيرتفع شأنك وسيكرمك الله بالعديد من الأرزاق.

أيضًا مثال آخر: فقد يكون زوجان مرّا في لحظات شدة وانتظار الذرية، ثم ينزل الفرج ويكتب لها الحمل، وما بعدها يكون لحظات فرح وهدوء (طريق العبور = أيام الحمل)، ثم بعدها سيُقبل عليهم الذرية، ولربما يرزقه الله بالبيت الجميل والواسع، وسيكرمه الله بعدها من العطايا والهبات.

وقد تكون بعض الفتيات مررن في شدة مع أهلها وصبرت على هذه الابتلاء في أدب مع الله، فعندما تنزل الفتوح الربانية بما كانت تتمناه من تغيير مسار حياتها، وتمكين بالمال ثم الزواج والذرية، ويختلف كل إنسان على حدة بناءً على شدة حاجته، وأول تمكين سيكرمه الله به عند نزول الفرج بقدر احتياجه. لكن ثق أن عند نزول الفرج أن الأرزاق ستنهال عليك بإذن الله.

إذن ما فهمته من هذا المقال: عند نزول الفرج وتقلب الحال، أنت مقبل على أوقات تحضير وتأنق وتجمل وتستعد لكل ما طلبته من الله سبحانه، ستأتيك كثيرة وعديدة، لا تخف، فاعلم أن بعضها يحتاج منك التجمل والتحسن والتحلي في أفضل الصفات، نعم ستكون تتحضر لها وأنت سعيد ومبتهج، وحتى الانتظار سيكون حلوًا جدًا وطعمه فيه حلاوة، وتود أن العمر يجري لتذهب إلى العطايا بالحال.

لكن بعد ما تحظى بكل ما تملك وينزل عليك التمكين وستلتفت إلى ذاك الطريق الجميل (طريق العبور)، ستخجل من الله، على قلّة صبرك مرات، وعلى شدة حماسك للوصول، لكن الله سبحانه كان يرعاك بلطف دون أن تنتبه للطائف الله، وهنا في طريق العبور البعض -والله أعلم- يود أن يقول للناس جميعهم إنه نزل عليه الفرج وأن الله قلب حاله، وأن حاله ليس مثل السابق، فأنا أقول لك: لا عليك، اهدأ، فالله سيتكفل بهذا ولا تخطط له، فالله قد ينزل عليك من إجابات الدعوات التي ستكون ظاهرة ظهور العين (وانتبه لهذا جيدًا)، وتذكر: من يتحمل المغارم دون أن يعلم الناس بذلك، إلا ويعطيه الله المغانم أمام مرأى الناس. 

زد ثقتك أن نصيبك وقدرك سيرفع، وسيمكنك الله ما دام التوحيد في قلبك في أيام الشدة، وكنت تعظم الله، وتلحّ بالدعاء، وترجو من الله ما لم ترجُه من نفسك ولا من الناس، فإن التوحيد من أعظم استجابات الدعوات ورؤية تمكين الله لك بالدنيا والجزاء العظيم في الآخرة.

قد تتوق نفسك ويراودك تلك الأسئلة والخواطر: وهل عندما أصل إلى طريق العبور ونفسي تصبح أهدأ ورأيت الفرج وكفاني الله همي وفرّج عني كربتي، وما زلت أنتظر بقية الدعوات، هل سأكون في انتظار؟

اعلم أن الله حينما يُقبل عليه عبده، فهو لا يرد عبده صفرًا، فكيف بعبدٍ لم يتكل على نفسه في أيام الشدة، ووحّد الله، أن يجعله في حال مثل التي تلك في أيام الابتلاء؟ كلا، والانتظار هنا ليس شدة، إنما هو استشعار لطف الله داخل قلبك، تشعر أن الله هو أمانك الوحيد، كل ما تراه من الدنيا وزينتها لا تشعر أنه بعيدًا عنك بعد نزول الفرج، بل رأيت كيف الله استجاب دعاءك، ستعلم ليس بينك وبين ما تطلبه حجاب، ولكن الأكيد أنك ستخجل من الله في أكثر وقت في حياتك، ستعلم أن من رحمته سبحانه بك يرى أنك متعب من الطريق، ولربما نفسك تلهث، وعقلك مشوش بعد الشدة، لذلك هو يهيئ هذا الوقت الذي أنت تسميه انتظارًا، لكنه هو وقت التجمل والتحضير والتأهب، أن تعلم (أن الخير مقبل لا محالة)، مثلما كان أيام الشدة كنت تعلم (أن الفرج مقبل لا محالة)، إذن بعد الفرج ورؤية تمكينه سيرزقك الله بالكثير من الأرزاق التي طلبتها والتي لم تطلبها، [فيقينك في طريق العبور ليس مهزوزًا ولا فيه شك]، بل قد تكون الهداية تبان بين عينيك، وأنت مطمئن وقلبك هادئ وتشعر أن الذين كانوا داخل عقلك من المشاعر: الغضب، السخط، العجز، الضعف، قد خرجوا من عقلك بالطرد دون الرجوع ولا حتى أن تكون لهم زيارات.

الحال هنا جميل جدًا، وكأنك بالشاطئ ترى السفن العظيمة والكبيرة المحملة بالأرزاق [تراها بعينك لا أن تتخيلها مثل أيام الشدة]، وتنتظر وهي مقبلة عليك، وتعلم أنها من الله سبحانه، وما زلت مستمتعًا في طريق العبور، وما زالت الأرزاق ستنهال عليك دون حسبان.

تذكرة أخيرة ومهمة جدًا:

الانتظار بقدوم الأرزاق لن يكلفك وقتًا كثيرًا، كلا، هو زمن بسيط ليس بطويل بتاتًا، واعلم أن بعد نزول الفرج الأرزاق ستنزل عليك متتالية في أوقات متقاربة، ولا تقل: وسأنتظر مرة أخرى؟ كلا.

المعنى من هذا المقال، أن أدعك تتأمل كل لحظات الفرج، وحتى لحظات تأمل الأرزاق وهي مقبلة عليك وتعلم أنها قادمة لك، لابد لك أنك تعيها وتتأملها وتعلم أن لطف الله العظيم يستوجب الشكر والحمد على ما فاض بك من نعيم وتقلب بالحال. ولتعلم أنه هذا الوقت بالذات هو لنفسك، ليس لأجل عقلك ولا للناس، [ نفسك تلك التي بين جنبيك، تحملت الكثير وصبرت معك وأثقلتها أنت بالهموم الأحزان، فهي الآن في طريق العبور كأنها تقول لك: دعني أرتاح قليلًا قبل أن نكمل السير ].

طريق العبور = طريق راحة. ليس به شدة ولا حتى انتظار مع حسرة، كلا، طريق سيجعل كل همومك تخرج ولن تودعها حتى، ستختفي في ذاك الطريق بالذات.

رسالة أخيرة لكل القراء:

وصلتني رسائل عديدة من القراء من جميع أنحاء العالم، وأرى في رسائلهم صبرًا وثباتًا وأدبًا مع الله كبيرًا، وتوحيدًا، وصدقات وقربات من الأعمال، فلا تشك في أمرك ولا حالك، فالابتلاء بعد ما ينتهي ستعلم أننا مختبرون في الأرض، وليس هناك معنى للخوف أنك فعلت الخطأ أو أخطأت بالحساب، أنت مختبر بالصبر وبالشدة، وسينقضي الاختبار بإذن الله، لا تتوقف عن الدعاء ولا عن اليقين بالله ولا حتى عن نزول الفرج.

إذا كان هناك إنسان يريد أن يشك بنفسه أو بقدراته فهو أعلم بنفسه [لكن لا شكوك بقدرة الله ولا نزول فرجه مهما ضاق الحال].

ولا تعتقد أن الفرج حين ينزل ثم تهيئ له من التجمل حتى رؤية الأرزاق أنه لا يستحق الانتظار، لا والله، إنما يعطيك الله عطية كريمة عظيمة ثمينة وغالية جدًا لا تُعطى إلا للمحسنين الظن بالله.

وسأكمل معكم مقالنا القادم: حياتك بعد الفرج (الأخير بإذن الله). وما كتبته فيه إلا اجتهادًا وتأملًا بلطف الله ورعايته ورحمته، والله أعلم، وإنني لأرجو من الله أن أكون قد وفّقت في تقديم الفائدة، ولو بالقليل. والله هو العليم الحكيم الخبير، سبحانه وتعالى، إليه نرجو، وبذكره يطيب لنا الطريق.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى