جسر التسليم

في الأقدار التي نزلت بك في حياتك، تظهر أسئلة لك لم تجد إجابتها ولا حتى أسبابها: لماذا نزلت بي الشدة وغيرت خريطة حياتي؟ ولماذا أنا بالذات؟
وقد تمضي وتصبر وتتصبر، لكن ما زلت تحمل هم السؤال، وقد تعتقد أن الإجابة ستكون ثقيلة على القلب والمسمع، لكن في هذا المقال بالذات سأبين لك أن الأقدار نزولها ليست لإرباكك كما تظن، أو حتى لجعل كتاب حياتك في عسر وشدة، لا، إنما يتجلى مفهوم عميق، وكلما أبحرت في السؤال ستجد أن الإجابة ستظهر على السطح، وتذكر أن الله جل وعلا، حاشاه الكريم، أن يرسل بعض الأقدار الشديدة حتى تزلزل إيمانك، بقدر أنها تحمل معنى لابد إدراكه، فتأمل معي هذا – رعاك الله -:
لو قيل لك: امضِ إلى البحر واركب السفينة، وأنت تسمع هذا النداء ولا ترى إلا أمواجًا عالية متلاطمة، وتمد عينيك أكثر وتبحث، ولم تلمح أي سفن مركونة وقريبة. ولو قيل لك: ادخل الدار واجلس على الكرسي، وتتسابق عيناك وخطواتك ولا ترى أي كرسي! وهنا بالذات في الأقدار غير المفهومة في حياتك والأسئلة التي ترافقها: كيف أثبت على أمر وأنا لا أرى النجاة؟
القدر الذي تسميه غير مفهوم هو درس سيعيد ترتيب حياتك كلها، وقد يكون أعظم الدروس وأعمقها معنى من الله اللطيف الخبير، أن هناك أمورًا لابد أن تسلم أمرها له جل وعلا، وهذا ليس استشعارًا إيمانيًا روحانيًا، إنما اختبار حقيقي لإيمانك.
المعنى: أي أن هذا القدر الشديد الذي كل أبواب النجاة مقفلة ومؤصدة ما عدا باب واحد قد يفتح، وقد تجد مفتاحه وهو التسليم الكلي لله، أي أنك لا تتكل على نفسك في حل هذا الأمر والتفكر بالنجاة منه، إنما رفعه إلى الله جل وعلا والتسليم الكامل في نتائجه. وما أن تمسك هذا المفتاح وتعي ما عليك وما يجب استيعابه، ستفرج لك وستفتح لك أبواب التساهيل والتياسير والأرزاق من هذا الباب بالذات.
لأوضح لك المعنى أكثر: قد يأتي على إنسان قدر شديد وغير مفهوم وليس له حل ولا ربط، وكأن الدنيا أعطته ظهرها والتفت، لكن نزول هذا القدر على الإنسان هو من الله سبحانه، فالمؤمن يعلم أنه مثاب على الصبر وعلى التصبر وتقبل هذا القدر، ويعلم بمقدار الأجور والرفعة في الآخرة، لكن ليس هذا ما أود أن أتطرق له، إنما المقصد أن الله قد ينزل عليك قدرًا تشعر أن من المحال حدوث التغير، أو حتى أن ينزل الفرج، ومشاعرك لا تلام عليها، وعند تفكر الناس في بعض أقدارهم قد تراودهم هذه الخواطر، وهي أن كان تحليلها بناءً على بني البشر فإنها صعبة ومحال أن تفرج. لكن الله جل وعلا أرسلها إليك ليريك قدرته في تبدل هذا الحال دون حول منك ولا قوة، نعم، لابد أن تعي هذا المعنى جيدًا (أي دون تدبيرك ولا حلولك، ولا تخطيطك)، إنما ليعلمك معنى بالعبودية وهو التسليم، والذي لابد أن يظهر في صحائفك في يوم القيامة أنك اجتزته.
جميع الناس تجدهم في التحدث عن الإيمان وعن حسن الظن بالله واليقين يحملون معاني جميلة، لكن عند الحقائق ونزول بعض المصائب قد يصيبهم هلع وجزع ويأس ويقين تام أن الفرج من المحال، وتأمل: ما زالوا يحملون حسن الظن بالله، لكن عندما ينظرون إلى شدة أقدارهم يتراجعون عن التسليم. وقد اتضح لك الآن جزء من المعنى.
والمعنى الآخر الجميل والأجمل منه أن الله قد يختبرك في مواضع لأننا خلقنا لعبادته، وصحفنا تكتب وما زلنا بالأرض لم نبلغ الجنة بعد، لكن القدر هذا غير المفهوم الذي كرهته سنين عدة في حياتك، عندما ترفع أنت أعلام التسليم لله في إيمان شديد أن الله سيفرجها متى شاء، في الوقت الذي شاء، وهو الذي يشاء، وعيناك في السماء، ستفرج بعدها. وهذا التقلب في الحال من شدة إلى يسر، ومن ابتلاء إلى فرج، ومن حاجة إلى أرزاق وعطايا لا تعد بالميزان، ستمضي في حياتك وأنت ما زلت نفس الإنسان، لكن إيمانك اختلف وتبدل وزاد وتقلب، وقد تشكر الله بعد الفرج على هذا القدر، نعم، وهذه ليست مبالغة بقدر أنك علمت المسبب، وأن التسليم له أرزاق عظيمة ومثوبة كبيرة رأيتها بعينك في دنياك. انظر إلى رحمة الله بعدها! كنت تعتقد أن عقوبة نزلت بك، وما كان هذا كله إلا ليعلمك معنى التسليم الكامل لله، أن سلمت فلك السلام بعدها لبقية حياتك.
وقد أسمع خواطرك: وكيف أعلم أنني قد أكون في منزلة التسليم أو بعيدًا كل البعد عنه؟
تخيل لو أن هناك جسرًا بين جبلين والمضي فيه لابد من قطعه، وتخيل أكثر لو قيل لك: هناك حبلان عن يمينك ويسارك: حبل حسن الظن بالله، والآخر حبل الرضا بقدر الله مهما كانت نتائجه. وانتبه جيدًا (لمهما كان). لأن محال يا عبد الله إلا وتختبر في الرضا في أقدار الله في حياتك، وهذا الاختبار لابد أن يرفع، ولابد أن تحققه وتنجح حتى تمضي في هذا الجسر بسهولة دون ميل ولا تلتفت.
وتخيل لو ترى من يمضون في الجسر حولك وهم لا يمسكون في الحبال؟ نعم، سيجثون على ركبتيهم مع نوبات من الخوف وفقدان الأمان، وستكون أعينهم على الأسفل. وأنت؟ ما زلت متمسكًا وما زلت ثابتًا، والله جل وعلا ثبت خطواتك.
إذن عندما ينزل بك قدر غير مفهوم من طلاق وانفصال وصدمة من أول زواج لك، أو خسرت تجارتك ومدخراتك وسلبت حقوقك وتعثر طريقك، أو زادت حاجتك وتعطش قلبك وانتظرت استجابات الدعوات منذ سنين عدة، أو ضاعت منك مفاتيح الأرزاق وانتظرت دون مجيب، فهنا ارفع أعلام التسليم الكلي لله، ومع رضا بما نزل في هذا القدر، ومع الرضا بما سينزل من الله بعدها.
وهنا الله سبحانه اللطيف قادر أن يجعل زواجك الثاني هو زواج العمر، ويربطكم في محبة وخلة، وهو الوهاب المعطي أن يجعل أنهار التجارة تجري من كل السهول والوديان، وهو الرزاق المتين الذي يصب عليك المال من كل حدب وصوب، ولا ذلك على الله بكثير، إنما سيريك آية من آيات قدرته وفرجه، وبعدها ستعلم أن الآخرة هناك آيات أخرى من العطايا والأرزاق والهبات.
نعم، لابد الرضا بما نزل بك يوقر ويثبت، وقد تكون في أقوى منازل الرضا والعبودية عندما تتفكر في قدرك ولا تقول: (لو) أو (ليت لم يصبني أذى ولا حزن)، لا، يتجلى الرضا عندما تقول: لله الحكمة البالغة بما نزل لي، ولعل هذا خيرًا في عقباه وخيرًا سألقاه وخيرًا سأجازى عليه، ولو أحد فاوضك على قدرك من قبيلة الشيطان، لقلت: محال ورب العزة أن يرسل لي هذا القدر إلا لخيرًا لي، وأنا راضٍ بما قدره لي.
وتذكر أن رضا الله عليك في الآخرة يكون إذا رضيت عن أقدار الله في الدنيا، وهذه حقيقة لابد تأملها جيدًا، ولا ينقص من الله شيئًا، وهو الكريم الوهاب، إنما هذا اختبار لإيمانك، وأن علمت أنه اختبار وسترفع الأقلام، فهنيئًا لك هذا المقام.
الفرج قريب منك وأقرب مما تتوقع، والأرزاق ليست محجوبة، وانتبه من بنو بعض البشر من يقولون: كتب على بعض الناس الشقاء والفقر، وكتب على بعضهم النجاة والرغد، فوالله ما قدروا الله حق قدره، والكون كله في قبضته، إنما أحوال من حولك هي اختبارات أيضًا وفتنة وأمور أخرى ستعلمها جيدًا عندما تصل إلى نهاية الجسر.
ولا تنتهِ من هذا المقال حتى تعلم جيدًا أن الأرزاق تصب من السماء كالماء المنهمر، والمال ينزل، والنصيب يقع ويكتب، ويبزغ نجمك ويرفع، ويهيئ لك القبول في السماء والأرض، وكلها إن نزلت فهي جزاء على صبرك وشدة إيمانك، ومحبتك لله التي تربعت داخل قلبك، وتمسكك في العبادات ولم تنزل كفوفك بالدعاء بملل أو يأس، وعلمت أن أمرك بدايته عند الله والنهاية ستلقاها في دارٍ تسرك.
تفاءل واصبر وتمسك في الحبال، فوالله ما بين ليلة وضحاها يغير الحال إلى حال.



