تدبرٌ يغير الحياة

كل إنسان يحمل تفسيرًا للحياة، حتى وإن لم يشعر بذلك. فأنت لا تستقبل الأحداث كما هي، ولكن تستقبلها من خلال المعاني التي استقرت في قلبك عبر السنين. وقد يتغير فهم الإنسان للحياة، قبل أن تتغير حياته نفسها. وقد يبقى القدر كما هو، لكن القلب الذي ينظر إليه لم يعد هو القلب الذي كان بالأمس.
وهذا لا يحدث فجأة. فالإنسان يتشكل من أكثر المعاني التي يكررها على نفسه. كل معنى يعود إليه القلب مرة بعد مرة، يترك فيه أثرًا، حتى يصبح بعد زمن هو الطريق الذي يسلكه العقل في تفسير كل ما يمر به. فإن امتلأ القلب بالخوف، أصبح الخوف أول ما يفسر به الحياة. وإن امتلأ بالاستعجال، رأى كل تأخير خسارة. وإن امتلأ بالاعتراض، أثقلته الأسئلة التي لا يملك لها جوابًا. أما إذا امتلأ القلب بمعاني الإيمان، تغيرت قراءته للحياة كلها.
وهنا يأتي السؤال الذي يستحق أن يقف الإنسان عنده: كيف يضبط المؤمن نظرته إلى الحياة حتى لا تجره نفسه مع كل حدث، ولا تتبدل طمأنينته مع كل تغير؟ لقد جعل الله لعباده أبوابًا تعيد بناء القلب كل يوم.
وأول ما يعيد بناء رؤية الإنسان للحياة، القرآن. لكنه لا يفعل ذلك بمجرد أن تقرأ صفحاته، وإنما حين تتدبره، وتعيش مع معانيه. فكل قصة في القرآن ليست خبرًا عن أمة مضت، ولا أحداثًا للتاريخ، وإنما بيانٌ للناس جميعًا، حتى تتعلم كيف تقرأ حياتك. تقرأ كيف يشتد البلاء على الأنبياء، ثم يجعل الله من قلب الشدة مخرجًا لم يكن يخطر على بال. وترى كيف يُملي الله للظالم، حتى يظن أنه قد ملك الأمر، ثم يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر. وتقرأ كيف يحفظ الله أولياءه بأسبابٍ لا يتوقعونها، وكيف يدبر لعباده الصالحين من اللطف ما لا يحيطون به علمًا.
وترى كيف يقلب الله الأحوال، فيرفع من شاء بعد ضعف، ويغني من شاء بعد حاجة، ويبدل الخوف أمنًا، والضيق سعة، والكرب فرجًا، إذا جاء أمره. ومع كثرة تدبر هذه المعاني، لا تبقى قصصًا تقرؤها، ولكن تتحول إلى طريقة تنظر بها إلى حياتك. فإذا ضاقت بك الأسباب، لم تستعجل اليأس، لأنك عرفت أن قدرة الله لا تقف عند حدود ما تراه. وإذا رأيت الباطل يعلو، لم يخدعك المشهد، لأنك تعلم أن ما تراه الآن ليس نهاية القصة. وإذا تأخر عنك ما تتمناه، بقي قلبك مطمئنًا، لأن القرآن علّمك أن الله يدبر الأمور بحكمةٍ أوسع من نظرك، وأن الحياة لا تُقرأ من صفحة واحدة.
فلا تخف من تقلبات الحياة، فإن الذي تتغير عليه الأقدار لا يلزم أن يتغير معها قلبه. ولا تظن أن ثباتك يعني أن تختفي مشاعرك، أو ألا تشعر بالحزن، أو ألا تتمنى الفرج. إنما الثبات أن يبقى قلبك متعلقًا بالله، مهما تبدلت الأيام من حولك. وإذا رأيت أمرًا تأخر، فلا تستعجل الحكم عليه. وإذا أُغلق باب، فلا تظن أن الطريق قد انتهى.
وما دمت تسير إلى الله، وتبني قلبك بالقرآن، وتكثر من دعائه، وتلهج بذكره، فأنت في طريقٍ يثمر كل يوم، حتى وإن لم تر الثمرة بعينيك بعد. فاطمئن، فإن القلب الذي يربى على هذه المعاني لا تعصف به الأحداث كما كانت تعصف به من قبل. وكل يوم تقضيه قريبًا من الله، يضيف إلى قلبك من الثبات ما ستحتاج إليه في مستقبل لا تعلمه، لكن محفوظ عند الله سبحانه.



