عند الشدة: أشحذ مخالبك

عندما يُقبل عليك أمرٌ شديد، لا تستطيع بلعه ولا حتى تجاوزه، وقد تشعر لو أن شخصًا مسرعًا رمى عليك فتيلًا من النار واختفى بعده. ولعلك أول ما تتجه له أخ أو صديق تبث إليه شكوتك وما أحرق أطراف قلبك، ومن شيم الصديق والأمين أن يطفئ روع جوفك.
ولكن بالحقيقة كل ما تحتاج أن تسمع هو أن أحدًا يقول لك: أشحذ مخالبك، فأنت تحتاج بعضًا من الغضب ليخرج أجمل ما في صدرك.
وهذا أمرٌ عرفته النفوس البشرية منذ قديم الأزل، عندما يغضب العاقل، والذي عرف الناس خيره وشهدت له الملائكة في إحسانه، فلن يكون هذا الفعل الذي أصابه عقوبة له، لأن الحياة لن تستقيم، وستجبل النفوس العزيزة على فسخ عباءة فطرتها السليمة، والنزول إلى وكر اللئام حتى يصبحوا كالأخوة، كلا، الله عندما أوجد الصلاح والفساد، أوجدهما لتفرّق بينهما، ولا أن تقول: لقد تحملت الكثير حتى شعرت كماء النار يبحر في عروق جسدي. وتشعر أنك ظُلِمت أو سُلب حقك أو انتُزع منك أمرًا، أو حِيكَت لك مكيدة ماكرة.
ولعل من فطرتك السليمة وأخلاقك الحميدة تقول: لم أرد عليهم الصاع بصاع، ولكن لا أنكر حرقة قلبي، وعندما ينقلب إليّ هذا الأمر في صدري يشتعل بعدها قلبي.
الله سبحانه يعلم ما في باطنك، وظاهرك، وما أبديت وأسفرت، وما فاتك منك وحتى ما كنت ستفعله في المستقبل بعلم الغيب كله، فإن الله عندما يرسل هذه الشدائد على الأخيار، الصالحين أو حتى لقلت: لم أكن ذا صلاح ودين، لكنني لم أنوِ يومًا أن أضمر شرًا أو أخطط بخديعة على مسلم. فهذه الأخلاق والأفعال إذا اجتمعت، ليست لتضعفك كما يظن أهل اللئام.
إنما سيخرج منك أثمن النفائس والهمم العالية، وسترى هذا الأثر عليك وستشعر به، وسينتبه له الكثير من الناس عندما تدخل حياتهم، سيجعلك الله بعدها كبيرًا بنفسك، ومحال أن يضيع صنيعك أو حتى أن يضيع سكوتك وتحملك خوفًا من ربك أن تتمادى نفسك في الغضب عليهم ورفع السيف عليهم. وكما قال الشاعر أبو الحسن التهامي: “لله درُّ النائباتِ فإنها صدأُ اللئام وصيقلُ الأحرارِ”. وهنا الشاعر يمدح الشدائد لأنها تصقل الإنسان السوي، ويصقل كما يصقل الحديد ثم يلمع، وما أكثر الناس التي جعلت الشدائد لهم أبوابًا من النجاحات وبلوغ الغايات.
وليس المعنى أن تشحذ مخالبك، أي أن عندما تبدأ نوبة الغضب أن تتوعدهم بالرد والإقصاء حتى العقاب. ولا يعني أن تفتح لهم باب التكريم والتقدير عندما تقابلهم.
لكن بالحقيقة هم مثل الدواء المر في حلقك، وجودهم مهم وخاصة للعقلاء ولأهل الخير والإحسان وأهل القلوب البيضاء والصادقين، لأن ما أن تنزل أفعالهم في صدرك ويشتعل قلبك بالغضب، حتى لابد منك أن تشحذ مخالبك وتتوعدهم بأن لا يكون سلطانهم على قلبك، وأن تنوي الإقدام على بلوغ أهدافك وغاياتك، ولتصعد في الآفاق ولو كان صعودك أثقل ما في صدرك، فإن الغضب ييسّر أمرك ويرفع بدنك.
اجعل من أقدارك الشديدة أن تجعل النجاح هو غايتك، فإن هذا يضعفهم ويصغرهم داخل عقلك. وقد يقول البعض: من قال إنني أريد الحرب معهم، أو حتى أنني أصل إلى بوابة النجاح لأجلهم.
لكن ليس هذا المعنى بتاتًا: المعنى أن الإنسان السوي في داخله توجد موهبة، أو صلاح، أو هبة من الله أودعها فيه وهو في حياته قد يكون خاملًا أو متعبًا، لكن ما أن يشتعل هذا الغضب في صدرك حتى تترتب الأمور داخل صدرك، فتجدك حريصًا على استقلالك المالي، وعلى رسم دائرتك الاجتماعية، وعلى الحصول على الأمان وحتى الرغبة بالعيش في فصول جديدة في حياتك مع شريك حياة ورغبتك القوية في أن تخرج من الصفيح الساخن الذي قلب روحك سنوات عدة.
النجاح ليس رئاسة تنفيذية ولا أن تكون وزيرًا وصاحب سلطة، ومع العلم هذه الأمثلة لا تبعدها في طريقك إن كان الله وضع همتك فيها. لكن الحديث هنا: قد يكون ما شاهدته سابقًا من شدائد كانت بسبب أناس كانوا في قربك أو أبعد من خطواتك، سببوا الكثير من الآلام والخراب على من حولك، وحتى لو شهدت انفصالًا وحصل الطلاق، أو حتى بنيت تجارة منذ سنوات عديدة واكتشفت بعدها من هم الخونة. أو ابتُليت في إنسان هدم لكم أركان البيت وحتى سوره، والكثير والكثير من الأمثلة التي تصلني من القراء من شدائد لم تكن من سوء تدبير ولا تخطيط، إنما كان شرًا ينبعث من إنسان قد يكون ينتمي لقبيلة اللئام.
لذلك انظر ما فيه داخلك، واشحذ مخالبك، ولا أقل: لا تلتفت إليهم، ولا حتى تتجاهلهم، إنما ابنِ أمجادك واصنع طريقك، فالرزق من الله ليس بمحظور، والدعوات ترفع إليه بالليل ويستجيب الله بجلاله وعظمته.
وقد يعتقد البعض: ما دمت أنني بُليت في دائرة كلها مشتعلة، فكيف الله سيجعل من طريقي مختلفًا عنهم؟
لا تتعجب من تدابير الرب ولا حكمته ولا أن جعل أهل الخير والشر متقابلين في المكان نفسه، فالله وضع لكل إنسان حجة، قد تكون أنت حجة عليهم، فعندما يحين الحساب ويؤتى الأجور بالميعاد، فلن يقول إنسان: لم أرَ صالحًا في حياتي! بلى، ستكون أنت الذي عاملتهم بإحسان وتحملت سوءهم وشرهم وعاملوك بعكس ذلك، وجعلت حسابهم بين يدي الرحمن. ولم تتكل على نفسك في تصفية حساباتك.
وتذكر هذه جيدًا مهما حييت: إياك أن تشعر أن صلاحك كان نقمة في حياتك، وتسمع الأقوال من أهل الشيطان: لو كنت لئيمًا أو حقيرًا مع الناس لما انكسرت وسُلب حقك، إنما هذه الشدة غاية ضرورية في حياتك، ولم تعرف قدر نفسك ولا حتى ما يخبئه عقلك وقلبك من مواهب وحسن التدبير والترتيب في حياتك المقبلة إلا به.
وتذكر أن النجاح العظيم الذي يكتب مسيرته، قد يكون مع رفيق وشريك تكتب معه فصول حياتك، وعندما تربي أبناءك، فلن تربيهم على الفوضى والبركة، ستجد نفسك تعلم الغايات من الحياة وسترسم لهم طرقها.
وقد تكون بداية نجاحك وأثره أن يكون عملك أو تجارتك أو منصبك يُشار إليه بالأنامل عندما يُذكر اسمك.
لا تتعجب ولا تتخيل ولا تقول: محال ورب العزة.
ستتبدل حياتك، وسينقسم ما حولك، وسيتساقط الكثير ممن كانوا قربك، ستبدأ فصول ليست مثل البدايات، ولا حتى هي تقال عنها إنها النهايات. ولا يتشابه أي أمر منها إلا أنك بطل في قصتك.
أخيرًا: إذا وجدت ما في نفسك هنا، فأن في كتابي: أقدار الله تثبيت لا تشتيت. كتبت عدة مواضيع على قواعد التعامل مع من حولك أثناء الابتلاء، والصراع الداخلي والعائلي، وكيف لو عشت حياة مع أناس ليسوا بناضجين، مع التفصيل والقواعد والنصائح، التي أسأل الله أن تجد منها المنفعة والبركة في حياتك المقبلة.



