أقدار الله تثبيت لا تشتيت

العوض الجميل من الله لا يشبه عوضًا من خليلٍ ولا من حبيب.  وإذا خسرت نفسًا، أو مالًا، أو مكانةً، فاختر عوض الله ولا تُبالِ، ولا تحزن حزنًا يجعل من الدنيا أمرًا كبيرًا، وما وقعها في الكون إلا صغير.

الجميع راحلون، الواحد تلو الآخر، والجميع سيلتقون، لكن لا نعلم كيف سيكون اللقاء؛ أهو بين نارين، أم بين جنتين؟

لذلك احرص تمام الحرص على أن تُصغِّر جميع أمورك الدنيوية، ولا سيما الماديات. وأوصيك بهذه القواعد في حياتك، لعلها تُضيء عتمة الأحزان في قلبك:

  • لتُصغِّر الدنيا في قلبك، كبِّر التوحيد في عقلك. هذا ليس كلامًا تعبيريًا أو شاعريًا، بل معنىً اعتقاديٌّ راسخ، جذوره قوية لا تهتز من كثرة الأقدار. وأبسط تعبير تكفيه الحروف: أن تقوم من الصباح حتى تنام، وهمُّك كيف ترضي الله.
  • عند خسارتك أمرًا ماديًا، تعتقد أن وجوده سيكون علامةً فارقةً في خريطة نجاحك في الحياة، فأنت إذن لا تعلم كيف يدبِّر الله الأقدار.
    اجعل من اللحظة التي تعلم فيها أنك فقدت شيئًا أن تحمد الله فورًا؛ فالله، حاشاه، أن يسلب منك شيئًا إلا وفي ذلك حكمة، إما أن هذا الأمر كان سيكون شؤمًا عليك في المستقبل، أو سببًا في جرِّك إلى المعاصي، أو باختصار: لا يرضي الله. فمن فضله عليك أن صرفه عنك قبل أن تنزل بك العقوبة.
  • إذا كنت تعتقد أن من سلكوا طريق مرضاة الله ليسوا سعداء، أو أن المصائب تتوالى عليهم، فاعلم أنها أقدار تثبيتٍ لا تشتيت
    من حكمة الله أن يرسل الأقدار الشديدة لتثبيتهم. استمع إلى أقوالهم، تجدهم في بحورٍ من الطمأنينة والثقة بالله. واعلم أن الله يمهِّد لهم أقدارًا لا تشبه الأقوال.
  • لا تزهد في الدنيا، والله مالكها، بل اطلب وأكثر؛ فإن من الأقدار ما هو واقع، ومنها ما هو مدفوع. فأنت لا تعلم كم دعاءً ألححت به على الله ليستجيب لك، ولم ترَ الإجابة، لكنك يوم القيامة ستتفاجأ أن هذا الدعاء قد دفع عنك موتًا محققًا، أو مكرًا شديدًا، أو حتى مرضًا مزمنًا كان سيُقعدك عن الحركة. دعاءٌ تعجبت من عدم إجابته، وكان لك سترًا من أقدارٍ مهلكة.
  • اطلب من الله العوض، ولا تستحِ، واطلب حتى تبلغ حدًّا تشعر فيه أن هذا فوق ما تستحق، وأنك لست أهلًا للإجابة؛ فإن بلغت هذا الحد، فاعلم أنك عظَّمت توحيد الله، فلم ترَ إمكانياتك ولا قدراتك، بل وثقت بالله. فهنيئًا لك هذه العبادة، وحسن الظن بالله، وأنك تعبدت لله بتوحيد الطلب، فلم تتوكل على غيره، ولم تستعن إلا به.

عندما يلازم المرءَ الحيرةُ دائمًا على مستقبله، أو على غايةٍ لم ينلها بعد، أو على أرزاقٍ قد لا تصيبه، فاعلم أن هذه الخواطر كثيرًا ما تكون من ضيوف الشيطان؛ فإن حضروا فلا تستقبلهم، ولا تفتح لهم باب قلبك، ولا تجعل الشك دليلًا لك. واعلم أن الشيطان بارعٌ في التهويل والتفصيل، ولكنه ضعيفٌ أمام اليقين والتصديق.

ما زانت حياة عبدٍ إلا وكان للتوحيد فيها نصيب. اجعل عبادة الله هي الغاية، ولا تكترث بمن معك من رفقةٍ أو مؤيدين لفكرةٍ ما، بل أمسك بخطام نفسك، وابدأ الرحلة.

بعض الناس يظن أن من أقبل على الله بكلِّه ستدبر الدنيا من خلفه! وهذا من ضعف اليقين.

قال رسول الله ﷺ: من كانت الآخرة همَّه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له.

وهذه قاعدة: من قصد الآخرة، أتته الدنيا وهي راغمة.

فإذا سمعت أقوال أهل الحيل، بأن الدنيا لا تستقيم إلا بالخداع، ولا يُنال المال إلا بالغش، فاعلم أن أهل دنوِّ الهمة دائمًا أصواتهم عالية، وأفعالهم كاذبة.

وعندما ترى أحدًا قد نال مكسبًا أو رُزق رزقًا، فهذا من فضل الله، وليس بمجرد توفيقٍ شخصي أو حنكة. بل الموفق حقًا من كانت غايته الله، فزادت عبادته، وجعل أيامه طاعاتٍ وقربات.

ولا تظن أن من أقبل إلى الله بكلِّ همومه، وانكساره، وغاياته، وأمنياته، وأحزانه، سيرجع بعد دعائه ولجوئه صفر اليدين. بل يُفتح له بابٌ من أبواب السماء، ويُبشَّر بالإجابة، ودفع السوء، وتيسير الأمر، وتفريج الكرب، والزيادة. تذكرها جيدًا: الزيادة؛ فإن من سأل الله وأحسن الظن به، لم يكن عطاؤه على قدر رجائه فحسب، بل قد يرزقه الله فوق ما كان يرجو ويؤمل.

ابتعد عن الدائرة التي لا تعينك على أمور دينك، ولا تنتظر أن يصلح من حولك حتى تنال الصلاح والهداية؛ فالرحلة فردية، ويوم القيامة ستُبعث وحدك، وتُسأل وحدك.

وأحسن الظن بربك؛ فإن من أقبل على الله وحيدًا، راجيًا منيبًا، رزقه الله الصحبة الصالحة في الدنيا، والرفقة الطيبة في الآخرة.

أذلك أمرٌ هيِّن على الله؟ لا والله. أبشر بسعدك، وطيب العوض، وأرزاقٍ تنهال عليك بإذن الرحمن.

أَصابَ من قلبك موضعًا؟

إن راق لك المقال، فامنحه من نجومك ما ترى. [من اليمين نجمة، ومن اليسار 5خمس نجوم]

متوسط التقييم 0 / 5. نتيجة التصويت 0

لم يخط أحد بعد إلى مجلس التقييم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى