تحدث بصوتٍ أعلى، لتستجلب أقرانك

لا أنسى، وكيف أنسى، خطبة الجمعة للشيخ سعود الشريم في الحرم المكي، حين قال:
“إن الوضوحَ من اللبيبِ تاجٌ، بئس الغموضُ؛ ففيه سوءُ مظنّةٍ.”
غموضك لن يجلب لك إلا الأصاغر، ولا تستنكر إن كنت في جمعةٍ عائلية، أو اجتماع عمل، أو حتى بين الغرباء، أن يجلب لك غموضك أضدادك؛ فليس العيب فيك، بل في (صوتك).
ارفع صوتك، ولا تكن غامضًا:
- إن كنت تحبّ العلم والثقافة، فدع الجميع يعلم بذلك.
- وإن كنت تحبّ الرياضة، فأخبر الجميع.
- وإن كنت تحفظ القرآن، فأخبر الجميع؛ فلا تدري من سيكون يومًا ما في صحبتك.
[مشكلتنا أننا لا نملك أقرانًا ومماثلين لنا في الصفات والهويات؛ بسبب كثرة الغموض.]
وإن كنت ترتاح إلى الغموض، فاعلم أنه يجلب لك سوء المظنّة، حتى لو كانت سريرتك أصفى من العسل.
ليس المغزى أن تكون كتابًا مفتوحًا، لا…! بل المغزى أن تتحدّث بصوتٍ أعلى؛ لتجذب إليك الصحبة المماثلة لك في الفكر والروح.
أتذكر حينما ذهبتُ بالطائرة من الشرقية إلى القصيم لعزاء جدتي رحمها الله، جلست بجانبي سيدة فاضلة، ومنذ جلوسي بقربها أخبرتها بسبب الزيارة، وهي أخبرتني أيضًا. بدأت أحكي لها قصة مرض جدتي وصبرها وتحملها حتى وفاتها، وبدأت أبكي، فبكت معي وربّتت على كتفي، وطوال الرحلة كانت تهدئني. والله لا أتذكر اسمها، لكني أتذكر أنها من عائلة الهذلول، ولا أنسى صنيعها معي ما حييت.
وأتذكر أيضًا أنني كنت في رحلة من الشرقية إلى الرياض، وكان خلفي رجل فاضل، وبالقرب منه شاب صغير السن. أخبر الشابُ الرجلَ أنه في السنة الأولى من دراسة المحاماة، فبدأ الرجل الفاضل يشرح له أنواع القضايا. والله إنني من شدة ارتفاع أصواتهما تعجبت من دقة المعلومات، وشعرت وكأنها مقابلة تلفزيونية؛ إذ كان يتحدث عن القضايا الجنائية. وقد أعجبت أيضًا بالشاب الذي كان منصتًا وخلوقًا مع هذا الرجل.
هذا حديث صغير مع الغرباء، ويبقى أثره في حياتك.
فكيف بمن هم أقرب إليك، ولا يعرفون ما تحب وما تكره، وما تريده وما لا تطيقه؟
تحدث بصوتٍ أعلى، فلا تدري؛ فقد تأتيك مواساة، أو فرصة تجارية، أو فرصة عمل، أو حتى صداقة جديدة، أو معلومة تُثري حياتك.



