ليس من الحكمة أن تكشف كل ما في قلبك

هناك لحظات يثقل فيها القلب حتى يشعر الإنسان أن الراحة لن تأتي إلا إذا تكلم. فيبحث عن أول شخص يثق به، ويبدأ بسرد كل ما في داخله؛ كل خوف، وكل هم، وكل فكرة، وكل موقف مر به. ويظن أن مجرد إخراج ما في قلبه هو الحل. وفي كثير من الأحيان، لا يندم الإنسان على ما شعر به، وإنما يندم على ما قاله. ليس لأن من أمامه أساء إليه، ولكن لأن بعض المشاعر لو بقيت في القلب ساعات أو أيامًا، لتغيرت نظرتنا إليها، أو هدأت حدتها، أو عرفنا كيف نعالجها. أما حين نخرجها في أول لحظة، فإننا نسلم جزءًا من أنفسنا قبل أن نفهمه نحن. ولذلك ليس من الحكمة أن تكشف كل ما في قلبك.

فالقلب ليس كتابًا يقرأه كل من اقترب منك، وليس كل ما يدور في داخلك يحتاج أن يسمعه الناس. هناك مشاعر تحتاج إلى أن تجلس معها، وأن تفهم سببها، قبل أن تجعلها حديثًا يدور بين الآخرين. ثم إن الناس ليسوا سواء، فقد تجد من يحبك، لكنه لا يحسن فهمك. وتجد من يريد مصلحتك، لكنه ينصحك بما يناسب حياته هو، لا حياتك أنت. وقد تجد من يحفظ سرك، لكنه لا يستطيع أن يحمل ثقل ما في قلبك، فيزيدك حيرة وهو يحاول أن يخفف عنك. لذلك ليست المشكلة دائمًا في نية الناس، وإنما في قدرتهم. فليس كل قلب يتسع لما في قلبك، وليس كل عقل يستطيع أن يرى الأمور بالطريقة التي تراها.

والله سبحانه جعل باب الدعاء مفتوحًا في كل وقت، لأن هناك أمورًا لا تحتاج أولًا إلى أن يسمعها الناس، وإنما تحتاج إلى أن يرفعها صاحبها إلى ربه. فكم من همٍّ زال وأنت تدعو، وكم من حيرة انقشعت وأنت تناجي الله، قبل أن تحتاج إلى رأي أحد. ولا يعني هذا أن يعيش الإنسان وحده، أو ألا يستشير أحدًا، أو يكتم كل ما يشعر به. فالإنسان يحتاج إلى الناصح، ويحتاج إلى من يواسيه، لكن الحكمة أن يعرف ماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يقول. فليس كل إنسان مؤهلًا لأن يسمع تفاصيل حياتك، وليس كل علاقة تحتمل أن تحمل أسرارك، وليس كل شعور يستحق أن يتحول إلى حديث.

ومن الحكمة أيضًا أن تحافظ على شيء بينك وبين الله لا يطلع عليه أحد. أن تكون هناك هموم لا يعرفها إلا ربك، ودعوات لا يسمعها إلا هو، وأمنيات لا تعلقها بآراء الناس، وإنما ترفعها إلى من بيده الأمر كله. فالقلوب تضعف عندما تتعلق بكثرة من يسمعها، لكنها تطمئن عندما تعلم أن هناك من يعلم ما فيها قبل أن تنطق به. وكلما ازداد العبد قربًا من ربه، ازداد يقينًا أن ليس كل ما يشعر به يحتاج إلى من يسمعه، لأن الله يعلم ما أخفاه قلبه قبل أن ينطق به لسانه، ويعلم حاجته قبل أن يحسن وصفه.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى