حب النفس، بذرة الطغيان

قال قديمًا: إذا أردت أن تعرف الرجل فملّكه.
كانت العرب في الجاهلية تقول: أعزّ من كليب وائل.
عندما انتصر كليب بن ربيعة في معركة خَزاز بنجد، وهزم أعداءه، اجتمعت الناس عليه واتخذته ملكًا، ثم مضى زمن حتى تجبّر عليهم وطغى عليهم طغيانًا شديدًا.
فالناس دائمًا يختارون الأقوى لحمايتهم وحماية ممتلكاتهم. وقد ترى هذا المشهد كثيرًا في بيئات العمل؛ فالناس يختارون الأفضل لإدارتهم، ثم يتحول هذا الشخص فيما بعد إلى كابوس لهم بعدما يتجبر عليهم.
ولماذا القوة يتبعها التجبر والطغيان؟
عندما تقف على باب النفس ستطيل الوقوف؛ فكم من نفسٍ تتوق إلى الرئاسة والمنصب، وبعضها لا يلقي لذلك اهتمامًا إلا بقدر ما يحصّل من المال. فأنت لا تعلم ما تخفيه النفوس من رغبات خفية.
لكن العاقل له ميزان حكيم يزن به الأمور، وإذا طُلب منك الاختيار فعليك بهذه القواعد:
- انظر إلى أخلّائه، وإلى من تميل نفسه إليهم؛ فإن كانوا يميلون إلى الإصلاح والخوف من الله، فلا تخف. أما إن كانوا من أهل الفسق وحب المال والأهواء، فقف طويلًا؛ فطباع النفس لا تتغير مع الأيام.
- استمع إلى أقواله؛ فإن كان كثير المديح لنفسه، والاعتزاز بقدراته، فحب النفس بذرة الطغيان.
- راقب ميزان الدين عنده؛ فإن كان صاحب دين، فهو أقرب إلى أهل الإحسان. واعلم أن ميزان الدين والضمير متقاربان؛ فإذا كبر الإيمان زاد تأنيب الضمير.
- قيّم شجاعته في المواقف العظيمة؛ فلن تعرف الشجاع حتى يعترف بخطئه وسوء تصرفه. فالشجاع جريحٌ في المعركة، لكنه ليس بفارٍّ من الميدان.
- واسأل عن أهله قدر الإمكان؛ فإن كانوا منفّضين من حوله، فالخبر أصبح بيّنًا؛ فالأقربون منه هم الأعلم بخبايا نفسه.
وعلى العكس تمامًا من ذلك، عندما يُقال: أيُّ عزٍّ هذا؟ وأيُّ قبولٍ بين العباد طرحه الله لك في الأرض، حتى يُقال عنك: هذا الذي إذا غضب، غضب له مئة ألف لا يدرون فيمَ غضب. وهذه مقولة قيلت عن الأحنف بن قيس، سيد قبيلة تميم.
فكيف لو أن الناس يغضبون لغضبك من شدة ولائهم وحبهم لك، دون أن يسألوا عن السبب، أو ما الذي أغضبك؟
وفي حياتنا الآن نرى مشاهد كثيرة حيّة بيننا؛ فقد يغضب إخوتك لأجلك، ولا يعلمون من أغضبك.
وقد يغضب الشعب والرعية بأكملها لملكٍ، ولا يعلمون من أغضبه. وقد ترى كيف أن علماء الأمة، وبعض أئمة الحرمين المكي والنبوي، لهم حظوة عند العوام، وحبٌّ بلغ مداه.
لنعلم جميعًا أن القبول من الله؛ فإن طلبته من غير الله فلن ينفعك، بل سيكون بلاءً عليك.
لذلك، عندما أرى مشادة في (تويتر) لأجل شخص، ولا يعلم أن الناس غاضبون لأجله، أقول في نفسي:
هل يعلم أن هذه نعمة؟ وهل يعلم من أوجدها من العدم؟
القبول لا ينزل من السماء إلا بأمرٍ من الله جلّ علاه.
ولكي نبلغه جميعًا، لا بد من فعل الطاعات التي أمرنا الله بها، وأن نحب ما يحب، ونبغض ما يبغض.
جعلنا الله وإياكم من المقبولين عنده، والفائزين برضوانه.



