كيف يتجاوز الإنسان أمرًا مضى، وقلبه ما زال معلقًا به؟

من أصعب ما يمر به الإنسان، أن تنتهي القصة في الواقع، لكنها لا تنتهي في قلبه. يمضي الناس في حياتهم، وتتغير الأيام، ويعرف هو قبل غيره أن هذا الأمر قد مضى، ومع ذلك، كلما خلا بنفسه، عاد إليه من جديد. وليس لأن بيده أن يصرف قلبه متى شاء، فالقلوب لا تتغير في لحظة، ولا تزول تعلقاتها بمجرد أن يقتنع الإنسان بعقله. وقد يقلق بعض الناس من بقاء هذا الشعور في قلوبهم، ويظنون أنه لا يجتمع مع الرضا بقضاء الله، مع أن الأمر ليس كذلك. فقد يعلم المؤمن أن ما مضى قد انتهى، ويرضى بقضاء الله، ويبقى في قلبه أثر يحتاج إلى وقت حتى يهدأ. فالرضا لا يعني غياب الألم، وإنما ألا يحمل هذا الألم صاحبه على الاعتراض على قضاء الله، أو سوء الظن به.

ويبقى السؤال: ما الذي يجعل القلب يعود إلى أمر انتهى؟ ليس لأن الرجوع يغير شيئًا، ولا لأن الذكرى ستعيد ما فات، وإنما لأن القلب تعلق بما كان يرجوه من ذلك الأمر أكثر من تعلقه بالحدث نفسه. فكلما استعاد الذكرى، لم يستحضر الواقع كما كان، وإنما استحضر الصورة التي رسمها للمستقبل، والأمنيات التي بناها عليه، فيتجدد الألم مرة بعد أخرى. ومن هنا كان من المهم أن يفرق المرء بين مرور الذكرى على قلبه، وبين الاسترسال معها. فمن الطبيعي أن يتذكر، وأن يجد في نفسه شيئًا من الحنين أو الألم، لكن الذي يزيد التعلق أن يطيل الوقوف عند ما مضى، ويعيد تفاصيله، ويشغل نفسه بما كان يمكن أن يكون. وهذه الأسئلة لا تزيده علمًا، ولا تغير من القدر شيئًا، وإنما تزيد تعلق القلب بما انتهى.

ولا يكون تجاوز ما مضى بأن يُكره المرء قلبه على النسيان، فالقلب لا ينسى بأمر، ولا تهدأ مشاعره دفعة واحدة. وإنما يهدأ شيئًا فشيئًا كلما ازداد تسليمًا لقضاء الله، وأعرض عن الاسترسال فيما لا ثمرة فيه. فليس المطلوب أن يمحو الذكرى من قلبه، وإنما ألا يجعلها تستولي على قلبه، أو تحجب عنه ما هو قائم من واجباته، وما بين يديه من أيامه. ومع الأيام، يخف أثر ذلك التعلق، لا لأن ما مضى أصبح بلا قيمة، وإنما لأن القلب يعتاد رد الأمر إلى الله كلما عاد إليه. فيعلم أن القدر قد مضى، وأن الاشتغال به لن يبدله، وأن الخير كله فيما يقضي الله ويقدره، وإن خفيت حكمته على العبد. فيسأل ربه أن يرزقه السكينة، وأن يصرف قلبه عما لا ينفعه، وأن يثبته على الرضا وحسن الظن به، فإن القلوب بيده سبحانه، وهو وحده القادر على أن يشرحها ويطمئنها.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى