علامات التعلق: ابتعد عنها

عند الحديث عن التعلق، تغيب عنا بعض الأمور التي نراها فيمن حولنا، وقد يكونون سقطوا في بئر التعلق دون أن يشعروا بذلك؛ لأن التعلق أعمى، يعمي البصيرة، ويظلم عليهم الطريق، فلا يجدون معالم ولا حتى مشاهد. وعلى النقيض من ذلك، تجد من تحرر من التعلق، تجده يطير بحرية من شدة أن روحه خفيفة، وعقله ساكن، وقلبه هادئ، فالحياة يراها من فوق، من الأعلى، وليس من الأسفل كما يظن بعض الناس.
لذلك، في هذا المقال سأذكر لك أنواعًا من التعلق قد تكون شاهدتها أمامك، وأحداثًا جرت حولك واستنكرتها، وقد تكون وقعت فيها ولم تشعر بذلك، وهنا أذكرك أن طريق الوعي والإدراك لا يحتاج إلى كثيرٍ من الجهد والتعب للوصول إليه، كلا، إنما علم قليل يفتح عليك آفاقًا من البصيرة وبمن حولك، فتأمل معي هذا -رعاك الله-:
النوع الأول: التعلق بالغيبيات
هذا النوع من التعلق أجده في رسائل القراء، وكلما قرأت الرسائل وجدتهم على الجادة الصحيحة، وعلى الطريق الصحيح، مثل: ملتزم بصلاتي، لم أتوقف عن الدعاء، ما زال قلبي يريد، وما زلت أرجو من الله الكثير.
وهنا لا أرى خللًا ولا زللًا، لكن ما أراه بين السطور: ما زلت أنتظر، هل الفرج قريب هذه السنة؟ أو قد يحتاج إلى أكثر؟
وهنا يقع البعض في هذا التعلق (بالغيب)، وهذا الأمر بعلم الله، لا يعلمه إلا الله، لذلك لا تنظر إلى الوقت كأنه فات، كلا، الوقت ما زلت تملكه، وما زال بإمكانك الإلحاح على الله بالدعاء، والأجمل أن بعض الأمور قد تنكشف لك، فتطلب من الله أكثر، وهذا الوقت الذي تراقبه باستمرار قد يكون الله سبحانه قد قدّره لك، لا للمجريات، أي قد يكون هناك بعض التغييرات النفسية التي لا بد من تغييرها من داخل نفسك.
المعنى: قد يكون ما تحتاجه الآن، بعد الدعاء والرجاء إلى الله، ألّا تنظر إلى الوقت، بقدر ما تكون مؤمنًا أشد الإيمان بأن التوقيت سيكون مثاليًا جدًا في الوقت الذي يراه الله بعلمه ومشيئته وحكمه.
وانظر إلى كل من فرّج الله عنهم وأثابهم بالفرج والتمكين، لا يكاد أحد أن يقول لك: لقد نزل الفرج في أفضل وقت، ولو خططت لهذا التوقيت بالذات لما نجحت وفلحت. لذلك اطمئن، فتوقيت الله جل جلاله سيكون مثاليًا لك أنت، وهنا بعض الناس -هداهم الله- يقولون: قد يكون الفرج متعلقًا بمن حولك. كلا، ما قدروا الله حق قدره، والله لا يعجزه مسألة ولا حال، بل يقلب الليل والنهار، إنما يضع لك الأمور الداخلية: من النفس والمشاعر والتفكر والعقل، والخارجية: من الحال والتمكين والمال والأرزاق. هي أمور تترتب لك، لا لغيرك من الناس. لذلك شدّ على دعائك ولا تتوقف، واعلم أن التوقيت سيكون أفضل توقيت في حياتك كلها؛ لأنه من الله، وما يأتي من الله فهو مبارك ومحفوظ، وعليه الكثير من العطايا والهبات، فلا تستهِن بدعائك وتعتقد أنه ضاع في السماء، كلا، لكن لا تنظر إلى الوقت حتى لا تتعلق بالغيبيات.
وهنا، عندما تصرف نظرك وتفكيرك عن الوقت، سيتغير كل شيء داخلك، ستجد نفسك مطمئنًا لو خطرت لك فكرة، وتجد قلبك هادئًا عندما ترى شدة أو أعاصير من المواقف والأحداث، وسيكون اليقين في قلبك شديدًا، لا يزلزله حال ولا إنسان، فأنت مطمئن إلى أن التوقيت سيكون الأمثل.
وهنا أيضًا أذكرك، لا تتوقف عن الإلحاح لو كانت هناك شدة بها قوة وحِدّة، إنما ارفع الدعاء كالغريق بين الأمواج، ادعُ الله وأكثر، وقل: يا رب، أنا تعبت والشدة زادت، فأنزل عليّ الفرج وأنت أرحم الراحمين. (وهنا ليست صيغة ملزمة، كلا، إنما أُبيّن لك أنك ما زلت على حبل الدعاء والرجاء، لكن ثق بالتوقيت). واشكُ إليه حالك ومآلك، ولا تقتصر في دعائك بحجة أنك لا تتعلق بالدعاء، كلا، إنما لا تنظر إلى الوقت، ولأن هذه النقطة تحدثت عنها في أكثر من مقال، فيمكنك التوسع فيها عبر هذه المقالات (اضغط على المقال للانتقال):
مقال: عند شدة الأقدار، أخف ساعتك. – مقال: لا قريب ولا بعيد. – مقال: الله إذا أراد لك أمرًا سهّل لك أسبابه.
النوع الثاني: التعلق بالعلاقات
وهذا النوع يتكرر في الرسائل أيضًا، ويندرج تحته صنفان من الناس: نوع تاب إلى الله من هذا الذنب، والنوع الثاني ما زال يريد استمرار هذه العلاقة.
وقبل أن نتحدث عن هذا التعلق، لا بد من قول الحقيقة، وهي أن الذنب ذنب، ولا تحايل مع الله، والصنف الأول ما زلت أخبرهم: لقد قطعتم شوطًا كبيرًا، فأرى منهم إقرارًا بالذنب، وخوفًا من الله، وتوبةً، وأذكّرهم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن لماذا الوقوع مرة أخرى في التعلق بهذه العلاقة؟ وهنا، عند الحديث عن النضج وزيادة الإيمان، تزداد معه البصيرة، فإذا علمت أن الحب أعمى، وهو يحجب عنك الكثير من الحقائق أمامك، ولو قلت: ما زال لديّ أمل، وأرغب في الحلال.
لكن تعلقت بالمصير الأبدي، وكأنك اطلعت على الغيب، وهذه أمور لا تعلم عنها شيئًا، وقد يكون مصير العلاقة محتومًا عليها بالفشل من أول سنة زواج، لكن الحديث هنا ليس عن مصيرها، إنما هو عن التعلق الذي جعلك تلبس عصابة على عينيك.
الحياة أمامك كبيرة، بتفاصيلها وبكل الناس، فلماذا تعتقد أن هذه العلاقة هي النجاة من كل ما شاهدته من الحياة؟
فالشابات والشباب، ما زلت أذكرهم في الرسائل: اطلبوا من الله الحلال المبارك، والمحبة والمودة التي لا تنضب، والله لا يعجزه مسألة ولا طلب، فالله إذا رضي عنكما أرضاكما، وبعد رضا الله لا يكون إلا الفوز بالجنان.
من قال إن الحلال ليس به محبة ولا خُلّة ولا حنان؟ قد يرزقك الله بالزوج الذي يصب عليك الحب صبًّا، ويسعدك حتى يرضي شغاف قلبك. وقد يرزقك بالزوجة التي تسرك إذا نظرت، ولا تنظر إلى غيرك من الرجال، والتي لا تراك إلا كبيرًا في عينها. من يحفظ هذه المحبة ويجمع القلوب؟ أهو الله؟ إذن، لماذا تطلبها بالحيلة أمام الله؟
واعلم أن التائب من هذا الذنب يكسبه الله ثوابًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، يراهما في الدنيا والآخرة، ويرفعه منازل بتوبته وبخوفه من الله، ورغبته الشديدة في رضا الرحمن.
وأغلب من يقعون في هذا التعلق يعتقدون أن هذه المشاعر ستفوتهم، كلا، الله يهب لك إياها بالحلال من فوق سبع سماوات، اصدق مع الله واطمئن، ستأتيك تلك المشاعر وتفرح بها، وتطيب بها نفسك في الدنيا، وستقر عيناك، ولن تريد بعد ما رأيته من ثواب الله إلا أن تكونوا على سرر متقابلين في دار الجنة والقرار، بإذن الله.
لذلك، لو تحررت من هذا التعلق، لوجدت نفسك خفيفة، طاهرة، لا تكثر بها الذنوب في الصحائف، ولا تُحجب عنك الأرزاق، سترى أنك أبصرت، وبعد هذه البصيرة لا تريد أمرًا إلا بالحلال.
النوع الثالث: التعلق بالماديات
وهنا قد يقع البعض في هذا التعلق المصيري بالحياة، فتجده يعتقد أن الرزق والمال لا يكونان إلا بهذا الاتجاه، وأن الوظائف والأرزاق لا تكون إلا بهذه الشهادات واللغات، وكلما تحدثت معه وجدته يحصر الأرزاق والمال في أمور مادية محسوسة، ونسي من هو الرزاق ذو القوة المتين.
الرزق والمال يأتيان للوريث والجنين في بطن أمه، والرزق يأتي متغيرًا ومتبدلًا على مدار السنوات. تفكر في بعض الوظائف التي ظهرت للناس ولم تكن موجودة قبل سنوات، من أوجدها؟ ومن كتب المقادير؟ إنه الله جل جلاله وتعاظم سلطانه.
لذلك، لا يهمك لو تأخر باب الرزق، فليس ذلك بأسبابك ولا بأخطائك، فكم نرى أرزاقًا بالمواريث، وأرزاقًا بالهبات، ولم يسعَ أصحابها إليها ولم يجتهدوا في تحصيلها، لكن السعي ما زلنا مأمورين به وملزومين به ومسؤولين عنه، ويُكتب أجر الساعي على الرزق أعظم من أجر من يتمنى الأماني.
لكن لا تحصر الرزق بأناس، أو تحدده في بعض الوظائف، فكلما كبر التوحيد في قلبك، وعلمت أن الرزق في السماء، وأن الله إذا أراد لك أن ينزله من فوق سبع سماوات أنزله، ولا يعجزه حال، لكن الرزق والمال نحن مختبرون بهما، مختبرون في الإيمان: من أين مصدرهما؟ أهما من الحلال؟ والسعي لهما، أهو بالجد والإحسان؟ وهل العبد يؤمن بأن الرزق بيد الله وليس بيد الناس؟ إذا كانت هذه الأمور كبيرة في صدرك وعقلك معًا، وجدت المال يصب عليك من كل الاتجاهات، ويُسهّل لك الرزق في أسهل أسبابه بإذن الله.
لكن تذكر، كم منا يتعلق بالماديات والأرزاق وينسى من هو رب الناس؟ وهذا قد يكون تعلقًا، والتعلق يربط أقدام العبد ويديه، فتجده حريصًا، بخيلًا، ممسكًا وقابضًا يديه خوفًا من الفقد، لذلك توكل على الله، وإذا كنت تنتظر الوظيفة فاعلم أن الله هو من أوجدها من العدم، ولو كنت تنتظر المال، فالله قادر على أن يرسله لك الليلة دون حسبان.
وإذا فككت التعلق بالماديات، فابشر بسعدك وبما تريده عيناك، وسأقول لك ماذا سيحدث حينها: لن ترى الحياة كالغني والفقير، بقدر ما أنك لو رأيت الغني علمت من أغناه الله، ولو رأيت الفقير علمت فورًا أن هناك ربًا فوقه يرزقه متى ما شاء، ولا يعجزه مسألة ولا طلب، لذلك سترى الحياة بعيون أخرى، ليس كمثل الناس، وعندما ترى الناس يلهثون ويقلقون ستجد نفسك مطمئنًا في أسوأ الأحوال، والأجمل من هذا كله أن الله سيريك آية من عجائب قدرته في الأرزاق؛ لأنه من المحال، يا عبد الله، أن تؤمن أشد الإيمان بأن الرزق بيد الله وحده، وتطلبه من الله وتنتظره من الله، ثم لا يثيبك على هذا الانتظار، إنما يكتب الله لك رزقًا حلالًا مباركًا جزاءً وخيرًا منه سبحانه.
أخيرًا، التعلق يعمي البصيرة والإدراك، ويثقل على أكتافك، فلا تستطيع المضي ولا المشي، وحتى تكلفة الانتظار ستكون غالية جدًا عليك، والأمل قد يكون لا يستحق هذا الانتظار. توكل على الله في أمرك وشدتك وحاجتك ورزقك، فالله يريد أن يرى منك الصدق وحسن الظن به والأدب وحسن الدعاء.



