اجعل تصفية الحسابات تأتي من السماء

يقول ناصر الفراعنة:

ليس عيبًا إن خدعني بمكره كلُّ هِيسٍ،
لأن ما يفهم مكرَ الهيوس إلا الهيوس.

ليس العيب فيك، ولا نقصًا بك، أن تُخدع؛ إنما أصحاب المكر لا يفهمهم إلا أهل الخبث من أمثالهم.

وإذا أُصبت بمكرٍ وغدر، واعتقدت أنك لن تتجاوزه، فاعلم أن:

هذا المقام لا تقدر عليه النفس الهشّة التي امتلأت بالشهوات؛ فهذا الابتلاء لا يصيب إلا خيرة المؤمنين، فهنيئًا لك.

إن نفوس البشر بيد الله جلّ علاه، وليست بيدك، وليس عليك هداهم، ولا إصلاحهم، ولا تغيير نفوسهم إلى الصلاح؛ فهم الذين وصلوا إلى هذه المرحلة من الأذى.

لماذا وصلوا إلى هذه المرحلة؟

فاعلم يقينًا أن ذنوبًا عديدة كبّلتهم عن البصيرة، وعن الخوف من الله، وعن الخوف من العواقب؛ فأصبحوا لا يرون إلا مصالحهم، والدنيا عندهم قائمة على قويٍّ وضعيف:

فالقوي عندهم هو من يأكل الآخر قبل أن يأكله. وهذا مبدأهم في المكر؛ فكيف تريد أن تتحاور معهم؟

ستجدهم حتمًا في بحورٍ من الظلمات، وسوء الظن بالناس، والحسد الذي يفتك بقلوبهم فتكًا. لذلك لا تستبعد أن ما وصلوا إليه كان من باب الحسد، وأنهم يرونك دون المنزلة.

إياك أن تخوض معهم في جدال أو محاولة إصلاح؛ فمن نوى المكر والغدر فقدره محتوم، والعقوبة واقعة عليه. لذلك ففرّ فرار الأسد، ولا تُكثر المكوث ولا الخصام.

واعلم أن المكر بوابة الفقر؛ فلا تكترث بهم، فإن المعروف عند العوام ومن سبقونا:

(أنه ما أصاب أحدًا مكرٌ إلا وأقبل خلفه فقرٌ).

من رحمة الله بنا أن يجعل بعض الابتلاءات تكون على هيئة أشخاص نعاشرهم، وليست أقدارًا تهتز لها الأركان.

وقد ترتفع منزلتك في الجنة بصبرك ورضاك بالقدر بإذن الرحمن.

فإذا ابتُليت بالتعامل معهم، فلا تيأس من الحال، ولا تعتقد أن الحياة تعاقبك، بل هي مشيئة الله.

وعليك أولًا بفهم الأسباب، ثم معرفة كيفية التعامل معهم:

لماذا هذا الابتلاء؟

  • لأن الله اختار لك طريقًا وقدرًا لا يشبه من حولك؛ فيه رفعة وتغيير في الحال. فعندما تُبتلى بالتعامل معهم، فاعلم أن الله يقوّي قلبك، ويهذبك، ويجعلك ترى الصلاح وأضداده، ثم يرفعك ويمكّنك تمكينًا، ويهب لك قدرًا لا يخطر على البال.
  • ولأن الله يريد أن يزيدك بصيرةً في التعامل مع الناس، ويعلم أن قلبك سليم وفيه صلاح، ويعلم بعلمه الغيب أنك ستكون مفتاحًا لكثير من الأبواب المغلقة للناس، وخاصةً من حولك.
    (نعم، قد تكون قدوةً لبعض إخوتك، وأصحابك، وأبنائك).
    أي أنك ستكون مصدرًا مُلهمًا لهم. إذن وجود غير الناضجين حولك هو لتتعلم كيف تتعامل معهم، ثم بعد ذلك لتُعلّم الناس.

كيف تتعامل معهم؟

  • لا تُرضِهم بأي وسيلة كانت. اثبت أمامهم، ولا يغرك ما يظهر منهم من سعادة؛ فإن غير الناضجين غالبًا متورطون في عداوات ومشكلات مع الناس.
  • لا تحاول إصلاحهم؛ فقد يجعلونك عدوًا لهم بعدها، إذ إن غير الناضج لا يملك ميزانًا يحكم به الأمور، بل يملك الهوى، وسوء الظن، والكثير من سواد الأفعال.
  • لا يغرك طيبهم المفاجئ؛ فغير الناضج دائمًا يُظهر الطيبة قبل الاستغلال بأيام. تذكر هذا جيدًا.
  • لا تنشغل بهم ولا تهتم، واجعل نصيبك من العبادات وافرًا، وانشغل بالله. ثم اجعل ظهرك شاهدًا لسهام الغيبة والنميمة منهم، ولا تحزن؛ فإن الأجور تفي بالميعاد.

لا تعتقد أن سعيك إلى تصفية الحسابات وأخذ حقك بيدك سينصفك أو حتى يرضيك؛ بل إن كانت من السماء، وأنت متوكل على الله، [فستكون شاهدًا لا لاعبًا على نهاية أعدائك.]

من بركات اللجوء إلى الله عند مواجهة الخصوم أو الأعداء، أو حتى أهل المكر والكيد، أن يفتح عليك بابًا عظيمًا لم تكن تظن يومًا أنك ستبلغه.

عليك بشيء من الانتباه وقليل من التأمل:

  • يظن الناس عند الانتقام أن طلب الحق فورًا وتنفيذه حالًا يبرّد القلب ويشفي الصدر بالانتقام، لكن عندما تسعى إلى أخذ حقك بنفسك، فقد تخرج بعد الانتقام مكسورًا قبل أن يتحقق الإنصاف.
  • ويظن بعضهم أن طلب النصر من السماء ضعف، وكأنه آخر الأسباب، وهذا من ضعف اليقين والإيمان بقدر الله جلّ علاه.

ماذا عليك؟

  • اطلبه فورًا من الله؛ فتدابير الله ليست كتدابير البشر ولا كالنفس، لأن الله قادر على تحويل مسار الابتلاء:
  • إلى جبرٍ للقلب لا يعلمه إلا أنت.
  • ثم إلى تثبيتٍ بالإيمان؛ وقد تتعجب من ثباتك وقوتك، ولا تعلم أن الله أنزل عليك قوةً من السماء، تثبّت روحك وتربط على قلبك.
  • ثم تمر فترة ليست طويلة، بل هي أقصر مما تتوقع، وسيهب الله لك تمكينًا في الأرض، وعزًّا، ورزقًا كريمًا لا يخطر على البال.

وعندما تختار النهاية، اجعلها من الله، وأكثر من الدعاء والرجوع إليه في كل أحوالك؛ فإن الله أعلم بنفوس عباده.

وتذكّر قصة النبي يوسف عليه السلام: وُضع في البئر، ثم بيع عبدًا، ثم سُجن ظلمًا، فجعلته تدابير الله وزيرًا مُمكّنًا عزيزًا. وأقبل عليه إخوته فقراء يطلبون المال.

ومن فطنة العاقل أن يعلم أن أهل المكر والكيد عاقبتهم وخيمة، وأن الفقر قد يكون خلف أبوابهم.

وتذكر أن الحياة قصيرة جدًا؛ فلا سعادة تدوم، ولا شقاء يدوم، بل سنتجرع من الكؤوس جميعًا. الحياة ليست عقابًا لك، بل هي اختبار وامتحان، ثم عزّ وتمكين في الدنيا قبل الآخرة.

أخيرًا: اعلم أن طريق الهبات والأرزاق والتمكين لا يُهدى إلا لأهل الابتلاءات.

أَصابَ من قلبك موضعًا؟

إن راق لك المقال، فامنحه من نجومك ما ترى.

متوسط التقييم 1 / 5. نتيجة التصويت 1

لم يخط أحد بعد إلى مجلس التقييم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية حصلت على درجة البكالوريوس في تخصص العلوم المالية من جامعة الأمير محمد بن فهد. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى