السنوات التي ظننت أنها ضاعت

تأمل كيف ننظر في حياتنا إلى الإنسان الذي جمع علمًا كثيرًا. إذا عرفت أنه قرأ سنوات، ودرس، وبحث، وتعب حتى أصبح عنده هذا القدر من المعرفة، لا نستغرب أن نصفه بالمثقف، ولا نرى ما وصل إليه شيئًا جاءه بسهولة. نحن نعرف أن وراء هذه المعرفة وقتًا بذله، وأيامًا لم تكن ممتعة كلها، وجهدًا لم يره الناس، ولذلك نعطي قيمة لما أصبح عليه.

والابتلاء في حياة المؤمن فيه معنى قريب من هذا، لكن في شيء أعظم من مجرد اكتساب المعلومات. قد تخرج من سنوات صعبة وأنت تحمل أشياء لا تُرى بالعين: صبرًا، وافتقارًا، ومعرفة بالله، ونضجًا في فهم الحياة، وأجرًا كتبه الله لك على ما مررت به. أشياء كثيرة حصلت عليها وأنت لا تشعر أنك أنجزتها، لأنها لم تأتك في صورة شهادة أو منصب أو شيء تستطيع أن تشير إليه وتقول: هذا ما كسبته.

لكنها عند الله ليست مجهولة. كل يوم عشته وأنت تحتسب، وكل مرة لجأت فيها إلى الله، وكل دعاء خرج منك وأنت محتاج، وكل عبادة أديتها وقلبك مثقل، هذه ليست سنوات مرت عليك فقط. هذه أعمال عشتها، وأجرها عند الله، وأنت لا تعرف مقدار ما كُتب لك منها.

ومن هنا لا تنظر إلى سنوات الابتلاء في حياتك وكأنها السنوات التي أخذت منك قوتك. أعرف أنك قد تلتفت إلى الوراء وترى كم تعبت، وكم تغيرت أشياء حولك، وكم مرة اضطررت أن تصبر على ما لم تكن تريده، فتظن أن كل هذا ترك فيك ضعفًا لن يزول. لكنك لم تعش هذه السنوات عبثًا، ولم يكن مطلوبًا منك أن تخرج منها كما دخلتها. الله سبحانه يربي عبده في كل مراحل حياته، وقد تكون بعض أشد المراحل عليك هي التي صنعت فيك من المعاني ما لم تكن لتعرفه في سنوات الراحة.

وابتلاء المؤمن ليس كابتلاء من ينظر إلى الحياة من ظاهرها فقط. قد ترى في حياتك تأخرًا أو خسارة أو أمرًا تعطل، فيكون هذا هو كل ما يستطيع الناس رؤيته منك. أما أنت، فهناك معنى أعمق من الصورة التي ظهرت لهم؛ قلبك وهو يتعلم أين يضع اعتماده، ولمن يرفع حاجته حين تضيق الأسباب، ومن الذي يبقى لك حين لا تستطيع أن تفعل شيئًا بيدك.

ولذلك لا تقيس حصيلة حياتك بما تستطيع أن تراه. قد تنظر إلى سنواتك وتقول: ماذا خرجت به من كل هذا؟ وأنت لا تنتبه أن في داخلك معرفة بالحياة لم تكن لتتعلمها من الكتب، ومعرفة بالله لم تكن لتصل إليها بمجرد السماع، وأجرًا لا تستطيع أن تحصيه لأن الله وحده يعلم مقداره.

فإذا رأيت إنسانًا تعب حتى أصبح مثقفًا، قلت: يستحق هذا الوصف، لأنه لم يصل إليه إلا بعد رحلة طويلة من التعلم. فكيف تنظر إلى نفسك بعد رحلة طويلة من الصبر مع الله، ثم تقول: لم أفعل شيئًا؟ لا والله، فعلت. فعلت الكثير، وكسبت من الأجر ما لا تستطيع أن تحصيه. وما بعد البلاء إلا الفرج، وما بعد الصبر إلا الفتح بإذن الله. فلا تجعل ما مضى يحدد سقف ما تتوقعه من حياتك. ارفع همتك، وأحسن ظنك بالله، وامضِ إلى ما بقي بقلب واسع للخير، فما عند الله أكبر من كل ما تظن أنه تأخر عنك.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى