أنت منتصر فلا تستعجل المعركة

عند الشدة والظلم الكبير الذي يقع على الإنسان، فإن من طبعه تذكر هذه اللحظات في أطراف يومه وليلته، وتجد قلبه يضيق وكأنه يقفل أبوابه؛ لأنه جعل عقله كأنها قاعةٌ في المحكمة، فتجد داخل عقله القضاة، وتسمع أقوال المتخاصمين، ويسمع صدى صوته وهو يتوعدهم بالعقاب والانتقام، ولن يفتح باب الصلح معهم، وسيذيقهم من نفس الكأس الذي انكسر منه سنين عدة.

فإن كنت تتذكر باستمرار الظلم الذي حصل لك، أو الشدة التي كانت أسبابها ممن كانوا بقربك، أو حتى ممن تخلوا عنك في شدتك وجعلوك أمام نيران الابتلاء، وهم بالأصل هم الذين أشعلوا الفتيل، لكنهم هربوا خذلانًا منهم دون حلول، ولا حتى تداركوا فعلتهم، والأمثلة أكثر. لكن عقلك يريد المحاكمة، أو أن تنزل العدالة الإلهية بسرعة، أو يمطر عليك من السماء بالفرج والأرزاق حتى تجابههم بها أو تحرمهم، والكثير من الوعود التي تسمعها باستمرار حينما تبدأ المحاكمة داخل عقلك.

لكن في هذا المقال سأشير عليك في أمر قد لا تعلم به، أو لم تتفكر به حتى، ولابد أن تعي هذه الأمور حتى تعلم أنك منصور ومنتصر حتى لو لم تبدأ المعركة، فتأمل هذا – رعاك الله -:

اعلم أن الظلم أو الشدة هي في الأصل اختبار لإيمانك، أو صبرك، أو حتى قد تكون كفارة أو طهارة من ذنوب سابقة لم تعلم عنها، لكنها في ميزان الله لا تضيع، وليس هذا المعنى عقوبة، كلا، إنما طهارة ورحمة الله. فإن نزل هذا الظلم ثم وقع، فلا تتفكر في أي معركة مع الخصم، ولا تفتح باب التوقعات: ماذا سيكون حاله ومآله؟ تفكر في شيء واحد فقط: أن الله يراك وأنت مختبر. فإن وعيت شر من آذاك وعلمت أنه اختبار من الله، فأقبل على الله بكل ما أوتيت من قوة، وإيمان، ويقين أن يرفعه عنك، ولا تدعُ عليه (ولو أن الدعوة للمظلوم مستجابة بإذن الله)، لكن ادعُ الله دون التفصيل: بالجبر والعوض، وأن يتقبل صبرك ويغفر لك.

فإن ماذا سيحدث بعدها فلن تتوقعه ولا حتى تتخيله، ولا يستطيع أي من البشر أن يعوضك به، فإن الله جل وعلا إذا رضيت مع الصبر ورغبة بالرضوان من الله ثم العوض والجبر، فإن كل محاكم الدنيا لن تجزيك مثل جزاء الله الذي أنزله من فوق سبع سماوات. ولا أعني هنا بالعفو لهم، كلا، المعنى أكبر، والقرب من الله سيزداد أكثر.

إذن قد يخطر في بالك أن بعضًا من الناس سمعت أقوالهم، ويقولون لك إنهم لم ينسوا من ظلمهم، وسيقتصون منه يوم القيامة، والكثير من الأقوال التي تتعجب منها: هل ستكون راضيًا أم ساخطًا عليهم طول حياتك؟

لذلك انتبه معي جيدًا لهذا؛ لأن ما سيكتب في هذه السطور سيكون فاصلًا مفصليًا في حياتك كلها:

اعلم أن بعض الظالمين لم يستغفروا ولم يتوبوا إلى الله، فيجعل الله الحساب في الآخرة، أو تنزل عليهم العقوبة، وهذا بعلم الغيب كله، لكن قصتك ليست مثلهم، فلا تجعل ما أصابك أن تتوقع هذه النهاية وتطلبها من الله لتقر عينك في أن تقابلهم مرة أخرى بالمعركة. إنما ادعُ الله أن يبرد على قلبك في برود اليقين، وأن ترضى بعد هذا الذي أصابك: أنني رضيت بقضائك، ورضيت بما نزل بي، فارضني وعوضني واجبرني.

[ودع الظالم للخالق، وهذه كفاية بالله وثقة بعدله] فأنت لم تكفل القضية لواحد من الناس، إنما رفعتها إلى السماء، وإن فعلتها فإنك ستشعر بالارتواء، وكأن البرودة والعذوبة تسريان في عروق قلبك.

وعندما تفعل ذلك ولم ترَ بعينك عقاب الظالم، فإن الله يرى الظالم وأنت لا تراه، ويعلم عنه وأنت لا تعلم، وهو يعلم الظاهر والباطن، فلا تشك بذلك أبدًا مهما حييت. واعلم أن الله عندما يقدر الأمور ليست مثل تقدير البشر، لذلك امضِ في حياتك سنوات، ستجد أن الله كتب لك أمورًا كثيرة، وكتب لك مسارًا وأرزاقًا لم تكن في الماضي تتوقع أنك تصل إلى ثلثها، فما عليك الآن إلا إغلاق أنوار القاعة في المحكمة داخل عقلك، واخفض الصوت الذي تسمعه كل يوم، فإن الأمر قد رُفع إلى الله، ولن يخيب الله من لجأ إلى بابه بالتوكل والاستعانة والتفويض، ولن يرد عبدًا لجأ إليه، سبحانه جل وعلا.

أيضًا تأتيني رسائل كثيرة من القراء على ظلم أصابهم ممن كانوا قريبين جدًا منهم في دائرتهم القريبة، لذلك ما أود أن أشير هنا: لا تستبعد أن المياه ستعود إلى مجاريها، ولا تنكر لو رأيت الظالم قد خاف ورد حقك، أو حتى بدا يشعر أنك أكبر منه قامة وأرفع منه شأنًا، وصغر هو بالقدر وبمن حوله. فبعضهم، من رحمة الله عليهم، يأتيهم منام تنبيه من الله، فيخافوا ويزداد رعبهم فيردوا الحقوق، أو بعضهم تأتيهم العقوبة دون أن تعلم أنت بذلك، وقد يعرفون جيدًا ما سببها، فتجدهم بعد سنوات عديدة، عندما تتقلب حياتهم رأسًا على عقب، تجدهم يفرون إلى من ظلموهم ويقولون له: سامحني. وهذا أمرًا مشاهدًا ومجربًا لعديد من المؤمنين ممن سبقونا بالعمر، فافتح أذنيك، ستجد قصصًا عدة.

وثق ثقة المؤمن أن العاقبة سترضيك، وسترفع يديك إلى الله وأنت تبكي ليس من شدة الحرق، إنما من شدة الدهشة. سيرضيك الله بعطايا وهبات لم تطلبها يومًا في الدعاء، وتتوقع أنك دائمًا كنت دون المنزلة، لكن الله رأى منك الصبر ولزوم بابه، والرضا بما قسم لك، وأنك طلبت منه بالسابق بالجبر والعوض.

وقد يأتيك سؤال يدور في خاطرك: هل سأرضى عنهم؟ اعلم أن الله يألف القلوب، ويقربها، وحتى عندما يصرف عنك أهل الشر والسوء فهو كان مقدرًا من الله، لذلك هذا الأمر لا يعتمد على ماضيك ولا على شدتك، فهو مقدر من الله أن وضع القبول في قلبك، فإن قد يعود الباب مفتوحًا، ليس بالمحبة ولا حتى أن تنفق إليهم بالعطاء والتقدير، إنما قد تكون في أبواب من الاحترام أو صلة الأرحام.

لذلك خذها قاعدة: كلما اتكلت على الله في تدبير أمورك المستقبلية، كلما جازاك الله بعطية أكبر من قدرك.

وتذكر هذه جيدًا: عندما تطلب من الله الجبر، أي أن قلبك كان مكسورًا سنين عدة، وعندما تطلبه العوض فإنها اشتدت عليك الظروف وتعسرت عليك الأمور، لكن ما أن يمن الله عليك بالعطايا والفرج والأرزاق والخير العظيم الذي يجري بحياتك، فإن شدة الظلم والرغبة في الانتقام، أو حتى تتمنى لهم أن يسقطوا في شر أعمالهم، فلن يصبح هذا همك، تعلم لماذا؟ لأن عينيك وقلبك سيصبحان مشغولين في الهبات والنعيم الذي أنزله الله لك، ولن يصبح هناك فراغٌ في يومك.

ولا تسأل نفسك الآن وتقول: محال وهذه مبالغة. فإن الإصبع لا يوضع داخل القدر وهو يغلي، فما دام قلبك الآن محروقًا فلا تلام، لكن أمامك طريقًا وسبيلاً إلى الله لن يخذلك. وبعضهم قد يعتقد أن الطريق إلى الله، مثل الطرق التجارية أو الأكاديمية أو حتى الوظيفية، كلا، الطريق إلى الله واضح، والسبيل إليه بالتوحيد، ولا توجد مراهنات عند الله، ولا شكوك أنك ستكون مخذولًا أو مطرودًا، فالطريق واحدٌ مستقيم، لا يضيع به عبدًا وهو مؤمن ويرجو الله وحده.

اسأل الله العوض والجبر، وأن يبلغك برود اليقين، وتذكر هذا الدعاء في أطراف يومك: اللهم ارزقني حسن الظن بك، وصدق التوكل عليك.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى