أشعر أن الكل يتقدم في حياته وأنا واقف.. لماذا؟

من أكثر الأسباب التي تجعل الإنسان يشعر بأنه متأخر في حياته، أنه ينظر إلى حياة الناس وكأنهم يسيرون في طريق واحد، وأن لكل مرحلة عمرًا محددًا ينبغي أن يبلغها الجميع. فإذا رأى غيره يحقق أمرًا لم يبلغه بعد، ظن أنه تأخر عنهم. غير أن الأقدار لا تسير على هذا النحو. فما يمر به عبد في عام، قد يمر به غيره بعد أعوام، وما يكون ابتلاءً لهذا اليوم، قد يكون ابتلاءً لذاك بعد سنوات. وليس لأن أحدهما سبق الآخر أو تأخر عنه، وإنما لأن الله يقدر لكل عبد ما يشاء في الوقت الذي يشاء سبحانه. فلا تستقيم المقارنة بين أقدار لم تبدأ في الوقت نفسه، ولا بين طرق لا يعلم أحد كيف ستكون نهايتها.
والحقيقة أن كثيرًا من الناس لا يشعرون بالتأخر لأن حياتهم توقفت، وإنما لأنهم اختاروا حياة غيرهم مقياسًا لحياتهم. فلو عاش الإنسان بعيدًا عن أخبار الناس، لاجتهد في إصلاح نفسه، وسعى فيما ينفعه، دون أن يخطر بباله أنه متأخر. وإنما يولد هذا الشعور حين تتحول حياة الآخرين إلى ساعة يقيس بها عمره، فينسى أن الله لم يجعل أعمار العباد، ولا أرزاقهم، ولا ابتلاءاتهم سواء. وحين تصبح حياة الآخرين مقياسًا لحياته، يبدأ ينظر إلى ما ينقصه أكثر مما ينظر إلى ما أنعم الله به عليه. فينشغل بما لم يحصل عليه، حتى يغيب عنه ما قطعه من طريق، وما تعلمه من تجارب، فيتحول همه من السعي فيما ينفعه إلى مراقبة ما عند الناس.
والمشكلة أن الإنسان لا يقارن إلا الظاهر بالظاهر. يرى وظيفة، أو زواجًا، أو نجاحًا، أو منصباً، لكنه لا يرى ما غاب عنه من حياة ذلك الإنسان، ولا يعلم ما بينه وبين ربه، ولا ما يحمله في قلبه، ولا ما ينتظره من ابتلاء بعد ذلك. فيبني حكمًا كاملًا على جزء صغير من الصورة، ثم يجعل هذا الحكم سببًا لينظر إلى حياته بعين النقص. ولكن إذا استحضر الإنسان أن الله هو الذي يدبر أقدار عباده، علم أن تأخر بعض ما يتمناه لا يعني أن حياته متوقفة. فقد تمضي عليه سنوات يظن أن حياته واقفة، ثم إذا نظر إليها بعد زمن وجد أنها كانت من أكثر مراحل عمره أثرًا في قلبه وعلاقته بربه، أو في علمه، أو في نضجه، أو في الخبرة التي اكتسبها مما مر به.
وهذه أمور قد لا يلتفت إليها لأنها لا تُقاس بما يتحدث عنه الناس، لكنها من أعظم ما يربح به المؤمن حياته. ولذلك لا تجعل قيمة نفسك مرتبطة بالمرحلة التي وصلت إليها، ولا بالمرحلة التي وصل إليها غيرك. فقيمة الإنسان ليست في توقيت ما ناله من الدنيا، وإنما في سيره إلى الله، وحسن أخذه بالأسباب، ورضاه بما قدره الله له. فما كتبه الله لك سيأتي في وقته الذي اختاره بعلمه وحكمته، وما لم يكتبه لك فلن تدركه بكثرة المقارنة ولا بطول الحسرة.
