كيف أتعامل مع أمور الحياة حين تثقل على قلبي، وأنا أعلم أن كل شيء بقدر؟

اعلم أن الحياة لا تُدار بجملة واحدة نكررها كلما ضاقت الصدور، ولا بأن نغلق على قلوبنا باب السؤال بحجة أن “كل شيء مقدر”. القدر حق، نعم… لكن الله ما خلقنا لنستسلم بلا وعي، بل لنفهم، ونجاهد، ونتربّى من الداخل.
الرضا في الإسلام ليس حالة سكون، بل مقام عالٍ يُبنى على معرفة النفس؛ أن تعرف أين يضعف قلبك، ومتى يتسلل عليك الوهن، وكيف يدخل الشيطان من باب المقارنة، أو العجلة، أو سوء الظن بالله. ومن لم يعرف مداخل نفسه، سيظن أنه راضٍ، وهو في الحقيقة مخدَّر عن ألمه لا معالَج له.
الله لم يأمرنا أن نكتفي بالقول: هذا ابتلاء، ثم نترك القلب يتهالك بصمت، بل أمرنا بالمحاسبة، والمجاهدة، والتزكية، والتفكر.
ومن عمق الدين أن تعلم أن الأخذ بالأسباب ليس اعتراضًا على القدر، بل هو عين الإيمان به. فكما تُسلِّم أن الله قد كتب، تعمل لأن الله أمرك بالعمل، وكما ترضى بما وقع، تجاهد لتكون أقرب إليه فيما سيقع.
وفي فهم الحياة من منظور إيماني، لا يُطلب منك أن تكون قويًا دائمًا، ولا أن تبتلع وجعك باسم التفاؤل، بل أن تعود إلى الله بقلب صادق، وتقول: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
فالسعي لا يكتمل إلا بالدعاء، والدعاء ليس كلامًا يُقال عند العجز، بل هو أقوى أشكال السعي؛ هو إعلان فقر، واعتراف ضعف، وتسليم مفاتيح الأمر كلها لله.
ومع الدعاء يتغيّر القدر، لا لأن الله لم يكن يعلم، بل لأن رحمته سبقت علمنا، ولأن الله يحب أن يسمع صوت عبده، ويحب أن يُطرق بابه، ويحب القلب الذي لا ييأس من طرق السماء مهما طال الانتظار.
الدعاء ليس فقط أن تطلب، بل أن تحسن الظن بمن تطلب منه؛ أن تؤمن أن الله أرحم بك من نفسك، وأعلم بحاجتك منك، وألطف بمصيرك من خوفك عليه.
وحسن الظن بالله عبادة خفية؛ حين تقول: سأدعو وكأن الإجابة قريبة، حتى وإن تأخرت، وتثق أن ما عند الله لا يضيع، وأن كل دعوة صادقة إما أن تُستجاب، أو تُدَّخر لك، أو يُصرف بها عنك شر لم تره.
فادعُ… ادعُ وأنت موقن أن الله لا يخيّب قلبًا تعلّق به، ولا يرد يدًا رُفعت إليه بصدق، ولا يخذل عبدًا أحسن الظن به.
وهنا يطمئن القلب؛ لأن من كان الله معه، لم يكن وحده أبدًا.
