كيف أتعامل مع أمور الحياة حين تثقل على قلبي، وأنا أعلم أن كل شيء بقدر؟

من أكثر الأمور التي قد تربك المؤمن، أن تمر به أيام يشتد فيها عليه البلاء، فيجد قلبه مثقلًا بالهم، ويستغرب من نفسه قبل أن يستغرب من الظروف. يقول في داخله: أنا أعلم أن كل شيء بقدر الله، وأؤمن أن ما أصابني لم يكن ليخطئني، فلماذا ما زلت أشعر بهذا الثقل؟ ويبدأ هنا يراقب قلبه أكثر مما يراقب ابتلاءه، فيظن أن اضطرابه دليل على ضعف يقينه، وأن حزنه علامة على نقص إيمانه، مع أن الأمر ليس كذلك. فالإيمان بالقدر لا يعني أن يعيش الإنسان بلا حزن، ولا أن يصبح قلبه لا يتأثر بما يمر به من أحداث الحياة. فالنفوس جُبلت على التألم عند المصائب، وعلى الفرح عند النعم، وإنما أثر الإيمان يظهر في الطريقة التي يتعامل بها القلب مع هذا الألم، لا في اختفاء الألم نفسه.

لا تجعل همك أن تمنع نفسك من الشعور بالحزن أو القلق، فذلك ليس مما كلفك الله به. ولكن اجعل همك أن يبقى قلبك متعلقًا بربه، حسن الظن به، يعلم أن تدبير الله خير من تدبير العبد لنفسه، وأن ما اختاره الله له خير مما كان سيختاره لنفسه. ومن أعظم ما يعين القلب على ذلك: الدعاء. فكثير من الناس يظن أن الدعاء لا يكون إلا لطلب تغير الحال، بينما المؤمن يدعو أيضًا ليسأل الله الثبات حتى يمر بهذه المرحلة وهو متعلق بربه. فما أكثر ما يحتاج الإنسان في أوقات البلاء إلى قلب ثابت، قبل حاجته إلى زوال البلاء نفسه. ومن الدعاء الثبات:

«اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.» ولا تنتظر من نفسك أن تصل إلى مرحلة لا تتأثر فيها بأحداث الحياة، فهذه ليست طبيعة البشر. لكن اسأل الله دائمًا أن يجعل كل ما تمر به سببًا يقربك إليه، لا سببًا يبعدك عنه. فإذا خرجت من كل ابتلاء بقلبٍ أعرف بالله، فقد خرجت بأعظم مما كنت تظن أنك تبحث عنه.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى