افتقار لا استحقاق

في كتب تطوير الذات الغربية تجد أن مفهوم استحقاق المرء يكمن في: ما يريده المرء من نفسه ويطمح له، ويمضي بالحياة وهو متيقن أنه يعيش بداية بلوغه دون سعي، ولا حتى الصعود بالسلم، إنما هي أمنيات داخل أدراج قلبه، ويشعر أنه وُلد بهذا الاستحقاق.
وهذا المفهوم يتطور بشكل ملحوظ في كل المجتمعات، فتجد من تعرفه يكثر الادعاء عن نفسه من كثرة ما يحمله من حقائب الغرور والأنا التي يجلبها في الاستمرار، وتكون حوله ومكتظة في مجلسه، ولا تستطيع الجلوس معه حتى بضع دقائق معدودات، وكالعادة هو دائمًا دون أصحاب، ولا حتى يحظى بالإعجاب، لأنه لا يعكس بهجة اللقاء، دون ابتسامة، ولا حتى حرارة عند السلام.
وعلى النقيض من ذلك، تجد شخصيات كانت أكبر منك سنًا، كنت تتأملها بإعجاب، وكلما هممت معه في لقاء أو مجلس تشعر كأنك زدت في الإدراك والذكاء، وعلى عكس أهل الاستحقاق تجده لا يملي على الناس ما يريد. وأيضًا تجد بعض المناصب تأتيه دون تخطيط، وقد تنتبه جيدًا أنه عندما يقابلك في الوهلة الأولى، يعطيك الترحيب وكأنه مرآة لما يراه، لأن بذرة التواضع والنظر إلى الناس بنفس المقياس، فهي تنمو عند الوهلة الأولى من اللقاء.
وعلى ذلك كله تجد تباينًا بين أهل الاستحقاق وبين أهل الأخلاق، فإن كانت الظنون الداخلية من: أنا أستحق، تأتي بنتائج ليست سلبية وحسب، إنما قد تهدم مسار المرء بالحياة، وتقطع حبال الوصال والأرحام، وتجعله من أهل الكسل والاتكال. وعلى ذلك كله كنت أتأمل، فوجدت -والله أعلم- أن الإنسان لا يحتاج إلى يقين واستحقاق بنفسه يبلغ فوق المعتاد، بل يحتاج إلى افتقار، وأن يكون في زيادة لا نقصان إلى الله جل وعلا.
فالافتقار إلى الله يعلمك أنك لن تستطيع جلب الخير لنفسك، حتى لو اجتهدت بكل الطرق والحساب، وعلى ذلك يعلم الإنسان أنه مهما بلغت الأقدار شدتها، أو تكالب عليه خصومه بالكيد والغدر، فإن الله قادر وقاهر فوق عباده، يحفظه ويحميه ويجعل النصر بين يديه.
وإن تاقت نفسه إلى منصب أو نصيب، تجده يفتقر إلى الله بالدعاء والرجاء، فيثيبه الله بالأسباب، ويسهلها ويسيرها حتى يبلغها برحمته الواسعة.
وأنه كلما زادت محبته إلى الله، وزاد الافتقار مع الصدق في العبادات وأداء الفرائض، أثابه الله على ذلك بمحبة تُقذف في قلوب الناس، دون تكلف منه ولا حتى نفاق.
الافتقار إلى الله يفتح أبوابًا قد تكون قريبة منك، والله يعطيها لعباده الأخيار، وقد يعتقد القارئ أنها خاصة بأهل العلم والعباد، لكن التائب إلى ربه مفتقر إلى الله، والعبد الذي أُغلقت عليه الأبواب وفر إلى الله، وهو يعلم بذنوبه وما اقترفت يداه، لكنه يرجو من الله الأرزاق والهبات، فهو أيضًا مفتقر إلى الله.
هناك أمور خفية تخفى عليك عندما ترفع يديك إلى الله بالدعاء والرجاء والافتقار والخضوع إليه، قد تعتقد أنها دمعات وانتظار حتى يستجيب الله. لكن الله قبل منك الدعوات، وقربك إليه، وهذبك، وأثابك، فيرتدي قلبك رداءً ما كنت تلبسه قبل الافتقار إلى الله، فهو جميل، وتكسوه الأخلاق، وبرود اليقين بأن الله يستجيب، حتى لو زادت التعقيدات أو الخصومات، فإن ما دمت تدعو الله وترجو الإجابة، فإن الله يوفي الأجور في الميعاد.



