اخرجهم من مجلس عقلك

بعض الناس تجد أن بعض الأفكار تترتب داخل عقولهم، حتى إذا خرجت بفعل أو موقف، تجد أنهم جلبوا على أنفسهم الكثير من الكوارث وسوء التدبير. ويتعجبون كيف كانت الأمور مرتبة ترتيبًا دقيقًا داخل عقولهم، حتى إذا وقع الأمر في الواقع، وجدوا أنفسهم في ورطة وهم.
وفي هذا المقال سأشير عليك بأمور قد مررت بها في موقف سابق، وتخيلت كيف ستكون نهايته وسعادته الأبدية، لكن ما إن فُتح الستار على الحياة الواقعية، وجدت أن أبطال المسرحية كالسراب بين الأحداث.
وهذا الأمر لا عيب فيه ولا حرج، فالإنسان خلقه الله وأعطاه القدرة على التخيل، وعلى موازنة الأمور، وحتى الأمل وتوقع أفضل الأحوال.
لكن هناك أمورًا لن تستقيم في الحياة حتى لو تخيلتها بعقلك مهما اجتهدت في رسم تفاصيلها وأبطالها، ولا أقول: كن واقعيًا، إنما أقول: اخرجهم من مجلس عقلك.
لذلك تأمل معي هذه المواضع والأمثلة، وانتبه إليها جيدًا:
تأتيني رسائل عديدة من القراء، وأجد بعضهم يجتهدون في التخيل لما وراء الأحداث والتوقعات، ومنها: العلاقات غير الشرعية. ليس هذا الأمر قابلًا للتخيل والتوقع بأن الأمور ستنتهي بما يرضيك، لأنهم كما قالوا: بداية لم تُرضِ الله، فلن ترضيك نهايتها.
وغير ذلك، فقد تكون حجبت عنك العديد من الأرزاق، وأثقلت ميزانك بالمعاصي والذنوب، وأنت لا تشعر بذلك. وحديثي هنا ليس عما بعد العلاقات، كلا، إنما أقصد أولئك الذين يقولون: لقد دعوت الله كثيرًا لهذه العلاقة، وأود أن يستجيب الله.
لكن الله يريد لك الخير، وعندما تطلبه بالدعاء وتطول الإجابة بضع سنوات، تفكر: هل كان هذا الأمر يرضي الله؟
وأيضًا قد تعتقد أن دعاءك الكثير قد فات وضاع، كلا. الله لا يضيع عبده حتى لو كان العبد على خطأ، وقد فهم الأمور بالخيال. الله سبحانه لطيف بك، إن ذهبت إليه وأنت تدعو بدعاء ليس بمستقيم، فيمنّ الله عليك بعدها بالهداية، وبالفهم، وبإدراك الأمور.
لذلك ما ضاع دعاؤك وما فات، إنما الله كان يصرف عنك شرًا كبيرًا وأمرًا عظيمًا لم تنتبه له، لأنك انشغلت داخل عقلك بالكثير من الضيوف.
إذن لنرجع، لماذا نتخيل الأمور ونتوقع النهايات؟ ماذا يحدث داخل عقولنا؟
كل ما في الأمر أن عليك مراقبة مجلس عقلك باستمرار، انظر من كان بقربك، ومن يجلس أمامك، ومن هم أهل البيت، ومن هم الضيوف؟
قد ترى أن بعضهم يزيد عندهم الإيمان واليقين بالله، فيصبح مجلس عقله فيه من أهل الإيمان. وقد يكون خبيرًا أو صاحب صنعة، وتجد من يجلس معه داخل عقله من أهل الاختصاص، وحتى يزدادوا مع السنوات، فتجدهم كثرًا داخل المجلس. وقد يكون ضيفه مرات الشيطان، لكنه لا يكثر المكوث عنده باستمرار، لأنه لا يضيفه ولا يستقبله عند الباب.
وعلى العكس، تجد بعضهم إذا دخلت مجلس عقله كأنك أضعت المكان، تجد الأصوات عالية، والناس كثر، ولن تجد أهل الإيمان لهم أريكة أو كرسي أو حتى تقدير. وقد يكون المجلس يسوده الكثير من أهل الوهم والخيالات حتى أشعروا رأسه بالصداع.
عقلك هو من يتخذ القرار، وهو من يجعلك تمضي أو تتوقف، أو حتى تقول: لعلها أوهام. لذلك انظر إلى مجلس عقلك باستمرار، ولا يعني ذلك أنه لو كان الضيوف قلة، ولا يوجد أحد يرغب بالدخول، فلا تستطيع أن تكون واعيًا أو مدركًا للأمور.
عليك بأمور قد ترى نتائجها على عقلك واستجابتك للأحداث بعقلانية واطمئنان، دون أوهام، ولا حتى الدخول في علاقات مع أشخاص ليسوا على أمانة، ولا يكنّون لك المحبة كما تكنها لهم، وتؤمل منهم:
إذا كنت مهتمًا بأمر، أو مختصًا في عمل، أو حتى لديك ميول لبعض الأمور الحياتية في العمل أو الدراسة أو التجارة، فاجعل نصيبك من القراءة والسماع أكثر مما مضى. ستجد أن داخل عقلك سيدخل الكثير من الخبراء، وستجد أن صعب عليك الحل، لكنك قرأت كتابًا أو سمعت صوتيات قبل سنوات، فتجد أنك تحمل الإجابة، وقد نسيت من أين مصدرها، لكن الخبير في داخل عقلك ومجلسك يذكرك في الحال.
أيضًا اجعل لأهل الإيمان نصيبًا في مجلس عقلك، واجعلهم بقربك، والأقرب إليك، فإنهم صادقون، ولن يخذلوك حتى لو اجتهدت أنت بكل التوقعات، فإن قرارهم صائب، ويوصفون الوقائع لك بالتفصيل. كيف تزيدهم داخل عقلك؟ اقرأ مقالًا كتبته سابقًا: هدوؤك في السيارة ليس صحيًا.
وهذه النصيحة أقدمها لكل من يريد زيادة الإيمان، أو حتى يريد زيادة خبرته في الحياة. وأنا أقول في كل الرسائل التي أرسلها للقراء: لا تجعل ما تسمعه قبل النوم كأنه درس لا بد أن تعي ما يقول، كلا، اجعله كالمذياع تسمعه وأنت مستمتع، وليس داخلك تركيز، أو حتى إنهاك بالاستماع.
أربع دقائق يوميًا كفيلة بأن تعلمك الكثير من الأمور الدينية، فتجد أنك سمعت معلومة أخذت منك دقيقة فقط، وتجد أن أثرها زاد في أعمالك الصالحة مع الله كل يوم مدى الحياة.
أخيرًا.. كنت أود أن أطيل هذا المقال أكثر، لكن وددت ألا أطيل عليكم بكثرة المكوث، وأسأل الله أن يجعل مجالسكم عامرة بذكر الرحمن، وأن يبلغكم ما تتمنون وأنتم على أفضل حال.



