أمنيات الأمس، وأمنيات اليوم

هناك لحظة يمر بها الإنسان دون أن ينتبه لها إلا بعد سنوات. يجلس مع نفسه، فتعود به الذاكرة إلى أمنيات كان يظن يومًا أنها أكبر ما يتمناه في هذه الحياة. فيبتسم أحيانًا، ويتعجب أحيانًا أخرى. ليس لأن جميعها قد تحقق، ولكن لأنه لم يعد يشعر تجاهها بما كان يشعر به من قبل. كان يظن أن قلبه سيبقى متعلقًا بها دائمًا، وأنها سترافقه ما دام حيًا. وربما دعا الله بها طويلًا، وشغلته حتى أصبحت حاضرة في معظم أيامه. ثم تمضي السنوات، فيلتفت إليها مرة أخرى، فيجد أنها لم تعد تستحوذ على قلبه كما كانت، مع أن بعضها لم يتحقق. وقد يتساءل: كيف تغيرت أمنياتي؟ وكيف أصبحت الأشياء التي كانت تملأ تفكيري لا تشغلني اليوم إلا قليلًا؟
والجواب أن الإنسان لا تتغير حياته وحدها، وإنما يتغير قلبه أيضًا. فمع ما يمر به من أيام، وتجارب، وأقدار، يحدث في قلبه تغيرٌ لا يلتفت إليه في كل يوم، لكنه يراه واضحًا حين ينظر إلى نفسه بعد سنوات. فيكتشف أن ما كان يراه عظيمًا قد صغر في عينه، وأن ما كان يستنزف قلبه لم يعد يملك عليه الأثر نفسه. ومن رحمة الله بعباده أن القلب لا يبقى أسير أمنيات مرحلة واحدة. فلو بقي متعلقًا بكل ما تمناه في الماضي، لأثقله ذلك، ولعاش يحمل همومًا لم يعد لها مكان في حياته. لكن الله يخفف عنه، فيصرف قلبه عما انتهى وقته، ويفسح فيه مكانًا لما يناسب المرحلة التي يعيشها.
ولذلك لا تخف إذا وجدت أن اهتماماتك لم تعد كما كانت، أو أن أمنيات الأمس لم تعد تشغل قلبك كما كانت تفعل. فليس كل تغير يعني أنك فقدت شيئًا، ولكن قد يكون هذا من علامات النضج التي يمنّ الله بها على عبده.. أن تتبدل نظرته إلى الحياة، وأن يعيد قلبه ترتيب ما يستحق أن ينشغل به وما لا يستحق. وربما لو عاد بك الزمن إلى سنوات مضت، لاخترت أمنيات مختلفة، لا لأن أمنياتك الأولى كانت خاطئة، وإنما لأنك لم تعد الإنسان نفسه. فقد علّمتك الأيام ما لم تكن تعلم، وكشفت لك الحياة ما لم تكن تراه، وربّى الله قلبك حتى أصبح ينظر إلى الأمور بعين أكثر هدوءًا واتزانًا.
ولعل من ألطاف الله بعبده أن قلبه لا يبقى متعلقًا بالأشياء على الحال نفسها طوال عمره. فكم من أمنية ظننت يومًا أنك لن يتغير تعلقك بها، ثم مضت الأيام، فإذا بها لم تعد تستحوذ على قلبك كما كانت، دون أن تشعر متى بدأ هذا التغير. وحينها تدرك أن من نعم الله أن يهيئ له من الأسباب ما يخفف تعلق قلبه ببعض ما مضى، حتى يمضي في حياته بقلب أكثر سكينة واتزاناً.
سلسلة معية الله: فكرة وتقديم: هديل السبيعي | من إعداد دار آدم، رحلة نبحث فيها عن الأمان الذي لا يزول، نكتب فيها عن النفس، الصعاب، واليقين، لنذكر أنفسنا دائماً أن من كان الله معه، فما الذي فقده؟

