لماذا أشعر أحيانًا بالفتور في العبادة رغم معرفتي بأهميتها؟

يمر على المؤمن أيام يجد فيها من نفسه نشاطًا في العبادة، فيكثر من قراءة القرآن، ويطيل الدعاء، ويقبل على الطاعة بقلب حاضر. ثم تمر عليه أيام أخرى يثقل فيها عليه ما كان يفعله بسهولة، فيظن أن هذا الفتور يعني أنه لم يعد كما كان، أو أن الأفضل أن ينتظر حتى يعود إليه نشاطه من جديد. وهنا يدخل الشيطان على كثير من الناس من باب لا ينتبهون له. فهو يعلم أنه قد لا يستطيع أن يمنع المؤمن من العبادة، فيزين له الكمال. فيوهمه أن العبادة لا تكون إلا إذا أداها بنفس الحماس الذي كان يجده في أيام نشاطه. فإذا لم يجد ذلك النشاط، قال له: أخرها حتى يعود قلبك كما كان، أو لا فائدة منها الآن.
ومع الأيام، لا يكون الذي أوقف الإنسان عن الطاعة هو الفتور نفسه، وإنما انتظار اللحظة المثالية التي قد لا تأتي. ولذلك لا تجعل الفتور سببًا لقطع ما بينك وبين الله. فإن النفس ليست على حال واحدة، والسير إلى الله ليس سباقًا يعتمد على الاندفاع، وإنما طريق طويل يقوم على الثبات. قد تكثر من العبادة في أيام، وتقل في أيام أخرى، لكن لا تجعل القليل ينقطع بسبب أنك لم تستطع الإكثار. فأفضل الأعمال ليست أكثرها، وإنما ما داوم عليه صاحبه. فمن استطاع في يوم نشاطه أن يقرأ جزءًا من القرآن، ثم لم يستطع في يوم فتوره إلا صفحة، فليقرأ الصفحة ولا يترك القرآن. ومن اعتاد قيام الليل، ثم ثقل عليه، فلا يترك الوتر. ومن أكثر من الأذكار، ثم ضعفت نفسه، فليحافظ على ما يستطيع منها. فالمداومة هي التي تبقي الصلة بين العبد وربه.
واعلم أن العبادة ليست قوة نفس فقط، وإنما هي توفيق من الله وإعانة منه. ومن أعظم ما يعين على الثبات أن يكثر العبد من سؤال ربه أن يعينه ” اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك “. فكم من إنسان أراد الطاعة ولم يُعَن عليها، وكم من عبد فتح الله له بابًا من التوفيق بسبب صدق افتقاره إليه. وأكثر من الاستغفار، فإنه يطهر القلب، ويجدد إقباله على ربه، ويكون سببًا في دفع كثير من وساوس الشيطان التي تريد أن تقطعك عن الطاعة أو تؤخرك عنها. فإذا مر بك الفتور، فلا تجعل همك أن تعود إلى أعلى درجات نشاطك، واجعل همك ألا تنقطع. فإن الشيطان يفرح بانقطاع العمل أكثر مما يفرح بنقصه، أما المؤمن فيبقى ملازمًا لباب ربه، يجتهد إذا نشط، ويثبت إذا فتر، ويسأل الله في كل حال أن يعينه على عبادته.
