مراحل الفرج | 1

عند الحديث عن الفرج، فإنه لا يكفيه المقال ولا الجواب، تشعر كأن المؤمنين يقفون عند الباب ويطلبون أن يفتح لهم، ولا يعلمون كيف سيكون حالهم ولا مآلهم بعده. لذلك في هذا المقال ستكون سلسلة عن مراحل الفرج: ما قبل الفرج، ثم نزول الفرج، وما بعده، ولأن كل مرحلة تحتاج منك العناية والانتباه.
ولتعلم أشد الإيمان أن ما مررت به، فإن كثيرًا من المؤمنين معك في نفس الكربات، ولا تختلف عنهم، لأن أغلب الناس يكونون في كرب وشدة، لكن لا يستطيعون البوح، فتجدهم يشعرون أنهم الوحيدون في الأرض بهذا الابتلاء، وتجد خواطرهم تتكلم: لا أحد يشعر بما أشعر، ولا أحد يعلم بما مررت به. لكن اطمئن، الجميع حولك وخلفك، والكثير من الناس، لكن كل ما في الأمر أن الطريق مظلم، فكيف تريد أن ترى الناس؟
فالناس بطبعهم تنفر من الكربات، فكيف تريد من الناس البوح بكل ما آلمهم وكيف أظلمت عليهم الطرقات؟ فطريق الابتلاء من رحمة الله وفضله العظيم على عباده، ليس له نور ولا أحد يراك، وكأن لطف الله العظيم الكريم يغمرك بستره ورحمته.
لذلك نحن الآن نتحدث عن مرحلة [ما قبل نزول الفرج]، وإن كنت بها، فالحمد لله الطريق قارب على الانتهاء، وإن كنت في بدايته، فاعلم أن الخير مقبل عليك، فلا تيأس مهما اهتزت بك الرياح.
هذه المرحلة تحتاج منك: [عملًا تفعله، وعملًا تؤمن به، وعملًا تداوم عليه]. فإن تمسكت بهذه الأعمال الثلاثة، فإن سرعة نزول الفرج أقرب مما تظن، وقد يكون نزوله في ليلة وضحاها، ويبدل الله الحال إلى حال، (وهذه ليست مبالغة، فإن المؤمنين جميعًا نزل عليهم الفرج بليلة كانت تسبقها شدة، أما الليالي بعد نزول الفرج، فلا تشبه أيًّا من الليالي السابقة، وستشعر، وسيزداد يقينك أن الفرج نزل عليك دون حسبان).
أولًا:
عملًا تحتاج أن تفعله كل يوم وبكل لحظاتك، [هو الصبر]، ولا تعتقد أن هذا عمل إضافي تفعله حتى تكسب الأجور والعديد من الحسنات، كلا، هذا عمل لن ينزل الفرج حتى يرى الله فيك لزوم الصبر وعدم البوح.
ولا تعتقد أيضًا أن هذا العمل صعب على النفس، ولا تستطيع حتى التظاهر به، كلا، هذا العمل لابد أن يكون من طبعك وديدنك، والسبب خلفه -والله أعلم- وقد يخفى على كثير من الناس أن نزول الفرج قد تحدث تقلبات بالحال، وأمورًا تنكشف، وعطايا تنزل، وكلها تحتاج أن يتحلى المرء بكثير من الصفات قبلها، وأولها الصبر.
لذلك انظر إلى رحمة الله، لا تعتقد أن الله يصعب عليك الأمور ويغلبك ويشقيك بأن ترضى بهذا الحال، وكأن الشدة تقول لك: اصمت، فليس لك النجاة، لا، حاشاه الكريم اللطيف، فإن من لطف الله العظيم على عباده أن يعلم العبد ما هي الحبال التي تمتد من الكرب حتى الفرج، وهذا لابد أن يتمسكوا به معهم طول الحياة.
المعنى أكثر: الصبر، ليس معناه أن ترضى بالحال، وترضى بالكرب والشدة، كلا، الصبر أي أنك ترفض الزمان والمكان، وتريد أن ينزل عليك الفرج في أقرب حال، لكن كل من رآك وجد فيك جلادة وصمتًا مهيبًا، ونظرةً لم تكن بك ولا من طبعك، وكأن عيناك تقول: الفرج سينزل وهذا الحال سينتهي بإذن الله.
الصبر يكمن في قوة تحملك مع إيمان شديد أن الحال سينقلب وستنتهي هذه الغمة حينما يشاء الله في الوقت الذي يشاء. هنا يختلف الناس في مواضعهم ويتأخر نزول الفرج -والله أعلم- لكن انتبه جيدًا: بعضهم من شدة الكرب يقول: إنني أتمنى الموت والخلاص وينتهي هذا الحال.
وحتى لو مررت بهذه المشاعر سابقًا، فلا تُلام، فلا أحد يشعر بما تشعر، لكن غيّر مبادئك الآن حينما تشتد عليك الرياح، قل: يا رب أنزل الفرج. وليس عليك بالكيفية ولا الطريقة ولا أيٍّ من الأمور الأخرى، واجعلها من دعائك وما تلهج به طول يومك.
وتمعن في الحياة، ستجد أن الكون هذا كله بتدبير الله، والله أوجد أرزاق الناس، وأطعم الحيوانات، ويبدل النهار والليل، ودبّر الملوك والأقوام، وأقوامًا سبقونا وأقوامًا سيلحقوننا، فعندما تطلب من الله أن ينزل الفرج، أي أنك تطلب التدبير من الله مع تبدل الحال وتغيير المسار، ثم العيش في رحاب الإيمان وعطايا الرحمن.
لذلك لا يهزمك الشيطان في هذه المرحلة، اجعل من يراك ويسمع أقوالك يقول: والله كأنه رأى الفرج بعينيه. زد ثقتك بالله أن الفرج مقبل لا محالة، لا تتفكر بالسنوات ولا بالشهور، تفكر في أمر واحد: أن تصبر، وصبرك هذا خلفه إيمان شديد أن الفرج سينزل من السماء.
ثانيًا:
ما دام الصبر ينعكس على جوارحك ولسانك، فإن العمل الثاني الذي لابد أن تؤمن به، وهو حسن الظن بالله. وهذا ليس دليلًا أن المؤمنين درجات، أو تقول: هؤلاء عباد الله الصالحون، أما أنا فلا، فاعلم بذنبي وسائر أمري. كلا، هذا الإيمان لا بد أن يوقر بالقلب حتى ينزل الفرج، لأن مقدار إحسان ظنك برب العالمين هو مقدار عطية الله بالفرج. وتذكر أن الإيمان ينقص ويزيد، فكلما أحسنت الظن بالله زاد إيمانك، وزادت عطية الله.
المعنى: قد تجد اثنين، الأول قد يكون أكثر أعمالًا صالحة من الآخر، والثاني قد يكون مذنبًا ولديه من الذنوب ما ستر الله عليه، وحينما اشتد الكرب على الاثنين ونزل عليهما اختبار الابتلاء، قد يكون الثاني أكثر حسن ظن بالله، (وانتبه لهذا جيدًا) فعندئذ قد ينزل عليه الفرج قبله، وقد يكسيه الله من حُليه حلاوة الإيمان، ويغفر له كل الذنوب الماضية بسبب إحسان ظنه بربه، وقد يكون من المفارقات أن الأول قد يحدد على الله بعض الأمنيات، ويقول: أريد أن يحصل لي كذا ولا أريد غير ذلك، والثاني قد يكون مكثر الذنوب، لكن عندما نزل عليه الكرب والشدة أحسن الظن بالله وطلب من الله ما لم يطلبه من نفسه ولا من الناس، كان يعلم أن الله لا يعجزه مسألة ولا طلب، فعظّم من طلبه وأثابه الله على إحسان ظنه بالله. لذلك لا تقول: إحسان الظن بالله هذا دأب الصالحين والمحسنين وأنا قد أكون بعيدًا عنهم، كلا.
وأيضًا هناك أمر لا بد أن تنتبه له جيدًا، وقد تكون هذه النقطة بالذات هي سبب رغبتي في كتابة هذا المقال، وهي عند الابتلاء وتعسر الحال، قد تأتيك خواطر: ما الفائدة من هذه الشدة، وكيف يكون هذا الابتلاء خيرًا لي في دنياي، وأنا لا أريد شيئًا من الدنيا بعد ما رأيت الابتلاء. وأمورًا كثيرة أقرأها من القراء عند وصفهم الحال.
لكن الذي يخفى على البعض أن الابتلاء أساسه خير عظيم في دنياك، لكن جهلك به هذا هو حال الجميع، وليس لأن بك قصورًا في الفهم والإدراك، كلا، كل من نزل عليهم الابتلاء يشعرون بما تشعر: لماذا لا أعيش في سلام، لماذا مررت بهذا الطريق المظلم بالذات.
لكن اعلم، الله لا يخلق شرًا محضًا، فنوع الابتلاء الذي نزل بك، وهو دقيق وله حكمة بالغة لك أنت، لا لغيرك من الناس، كيف تعرف ذلك؟
لن تعرف هذا وأنت ما زلت في بئر الابتلاء، انتظر قليلًا، ليس كثيرًا، وعند نزول الفرج ورؤية عظمته وخيره الكبير، ستعلم كل التفاصيل الصغيرة التي كانت في الابتلاء لها حكمة بالغة في الفرج.
ستجد كل الأمور، وكل الأشخاص الذين لهم يد في هذا الابتلاء، سترى كيف كان فعلهم سببًا لرفعتك، ونيل غايتك، وتعظيم شأنك.
قد يكون هذا المعنى ليس واضحًا لك في هذه المرحلة، ولا عليك ولا تغتم، فكل الناس عند هذه المرحلة يخفى عليهم، لكن اختلاف قصتك عن الناس ونوع الابتلاء هذا له علاقة بطريق حياتك كلها، وقد يكون من فضل الله العظيم الكريم أن ينتهي بك الحال إلى النعيم بالدنيا ثم اللقاء ورؤية نعيم الآخرة.
لذلك عندما ترى الفرج وتنكشف لك حكمة الله، لن تقول: سنيني التي ضاعت، أو فات من عمري سنون، كلا، ستقول: سبحان الله، وسيكون التسبيح والحمد من طبعك بعد الفرج. ستنكشف لك الكثير من خبايا الكربات، سينكشف لك بعض الأوراق، سترى الهداية تضيء بين عينيك، ولن تسمع ربكة قلبك، وثق ثقة كبيرة وعظيمة، لن تندم على ما فات، ولن تقول حتى: يا ليت لو عشت في حياة ليست مثل اللي عشتها بالذات. كلا، فعند نزول الفرج ستشعر كأن حياتك سابقًا كانت صورة ممزقة، لكن بعد نزوله ستقترب وستكمل الصورة، ستعلم أن كل الطرق بحياتك كانت مرتبة، وكيف كان الله يرعاك منذ أول نداء وأول دعاء عندما رفعت يديك إلى الله.
لذلك صفحة الندم لن تقبل عليك بعد نزول الفرج. ستعلم جيدًا أن الفرج كان له طريق واحد لن تبلغه إلا بالابتلاء، وستحمد الله كثيرًا بعد ما انتهى بك الاختبار، وستكون عند البوابة، تود أن تخبر الناس بكل ما رأته عيناك من شدة نصرة الله وتمكينه لك، وكيف رفع من قدرك وشأنك وأثابك الله بكثير من الخيرات. أبعد هذا كله يراودك سوء الظن؟ لا والله، أحسن الظن بالله أن الطريق كان ممهدًا لك بالذات.
ثالثًا:
فكل من كانوا في طريق الشدة والكربات يرفعون أيديهم إلى الله بالدعاء، وهذا ليس أمرًا يخفى على المؤمنين، لكن ما عليك الآن قبل نزول الفرج، هو أن تداوم على نية الوقوف عند باب رب العالمين.
تمعن جيدًا: الصبر مع إيمان شديد بالفرج، وإحسان الظن بالله وأن نوع الشدة لها حكمة وخيرًا ستنكشف بعد نزول الفرج، والثالثة: وهي أن تؤمن أن التمسك بأبواب الدعاء والعبادات ولزوم الطاعات لن يتوقف عند نزول الفرج.
وقد يتأخر الفرج للبعض بسبب أن النوايا تختلف بين الناس، المعنى: لا تكن نيتك أن الفرج حينما ينزل، أي أنك ستخرج سيفك من غمدك وتضرب به كل ما آلمك وأثقل عليك في أيام الابتلاء، [ الفرج ليس إعلان الخصام ولا العيش في المعارك ولا حتى ترك باب الطاعات ].
الفرج أي أن الله سيتكفل بخصومك وأنت ترى، وليس عليك في التدبير ولا حتى التنظيم. والفرج ستكون في حالٍ تأمنه وترتاح، صحة وعافية وأيام راحة لا توصف، استقلال مالي كبير وسعة بالعيش، تمكين ورفعة لك في دنياك، والأجمل تملك زمام نفسك وقراراتك، وأحبتك حولك وليس خلفك، والكثير من الأمور التي سيثيبك الله عليها بعد صبرك وإحسان ظنك بالله.
لذلك بعد الفرج ثق أنك ستعتزل المعارك وستودع بعضًا من جنودك، ليس لأنك خذلت، بل لأنك انتصرت ورفعت رايتك وقبل الله دعاءك ورجاءك، وليس هذا إلا لأجل أن تحيا في فصل جديد بحياتك كنت تنتظره وتعتقد أنه أبعد من الخيال.
جدد نيتك، بعد الفرج لن يكون إعلانًا بالمعاصي والذنوب أو الإعراض عن الله، إنما هذه الليالي قبل الفرج ثمينة جدًا لتكتب العهود والمواثيق لله، تتخذ سبيلًا عنده مهما كثرت عليك الهبات والعطايا، لن تبتعد عن بابه ولا عن الدعاء، وعندما يرى الله فيك هذا العمل ونيتك أن تداوم على بابه حتى بعد نزول الفرج، سينزل عليك الفرج بأسرع مما تصور وأقرب مما تظن.
وتذكر، ليس عليك إيجاد الحلول ولا حتى أن تدبر الأمر، فالابتلاء له معالم وأوصاف، فالابتلاء أصله أن الإنسان يعجز عن تدبير أمره وحله، لذلك عندما تتعسر إليك الأمور وتضيق، ليس لأنك أخطأت أو أذنبت، كلا، بل هذا هو الابتلاء، اطمئن وزد دعاءك ورجاءك، وتذكر أن الليل يعقبه النهار، والحمد لله أن هذا الكون بتدبير الله.
هذا الأسبوع سنكمل السلسلة هذه، ومقالنا القادم سيكون عن المراحل الأخيرة قبل الفرج، ومقال الذي بعده حينما ينزل الفرج، والذي يليه: حياتك بعد الفرج. أسأل الله أن تكون هذه الحروف والكلمات جبرًا لكل القلوب المحسنة الظن بربها.



